“فإنْ كنتَ لا تدري فتلك مصيبةٌ، وإن كنتَ تدري فالمصيبةُ أعظمُ”.. هذا البيت من قصيدة ابن قيّم الجوزيّة ينطبق على العاملين في فيلم “أميرة” للمخرج المصري محمد دياب، باعتباره يُسيء إلى عمودٍ من أعمدة النضال ضد الاحتلال، وهُمْ الأسرى، كما رأيتُ.
والفيلم من تأليف محمد دياب مُخرجه بالاشتراك مع خالد دياب وشرين دياب.. هذا الفيلم الذي دشّن فعاليات مهرجان “كرامة لأفلام حقوق الإنسان” بدورته الثانية عشرة، مساء أمس، واختير لتمثيل الأردن في المنافسة على أوسكار المسابقة الدولية للأفلام غير الناطقة بالإنجليزية، وكان قد عُرِضَ في عددٍ من المهرجانات العالمية والعربية، بينها مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي، والجونة السينمائي الدولي ومهرجان قرطاج السينمائي.
وكان لافتاً مشاركة عديد من الفلسطينيين في الفيلم، بحيث يبرز اسم المخرج هاني أبو أسعد في قائمة منتجي العمل ومعه المًنتجة أميرة دياب، كما يتقاسم الفنان علي سليمان دور البطولة مع النجمة الأردنية صبا مبارك، بينما تجسّد الفنانة ريم تلحمي دور والدته، كما يحضر الفنان صالح بكري كضيف شرف في دور السجّان الإسرائيلي السابق “إتاي”، وشقيقه زياد بكري في دور “باسل”، وقيس ناشف في دور “هاني”، كما يحضر فلسطينيون من بين فنيّي العمل أيضاً.
ولكوني لست مختصّةً في النقد السينمائي، فسأتحدث عن قصة الفيلم ومضامينه بالدرجة الأولى، وإن اشتمل التقرير على أيّ مساحة للحديث عن بعض الفنيّات فستكون بقلم مُشاهِدَة كانت في القصر الثقافي الملكي بالعاصمة الأردنية عمّان، حيث كان العرض، لا أكثر.
قصّة الفيلم تتمحور حول قضيةِ ما يُصْطَلَح عليه فلسطينياً بـ”أطفال الحرية”، وهم أولئك الذين زادوا عن المئة بمولد توأمٍ لأسيرٍ من غزة قبل أيام، ويُعتبرون نتاج حالة نضالية مُقاوِمة للاحتلال الإسرائيلي وسياساته العنصرية خاصةً تجاه الأسرى الذي يقضون أعمارهم في الزنازين بتُهَم تتعلّق بأعمال مقاومة ترى السلطات المحتلة فيها “إرهاباً”.
- فيديو.. الداخلية تعلن ضبط خلية إرهابية تضم قادة من حركة حسم الإرهابية

- الداخلية: مصرع عنصرين بحركة حسم الإرهابية

- إيران تستلم خطة واشنطن لإنهاء الحرب وإسرائيل تصادق على استدعاء مئات آلاف جنود الاحتياط

هؤلاء الأطفال يأتون عبر”تهريب النُّطَف” في عمليّة سريّة تخضع لشروط عدّة بيولوجية واجتماعية، وتحظى بترحيب واحتفاء مجتمعي بل ووطني فلسطيني، فالإجماع عليها كفعل مقاومة وصمود يكاد يفوق الإجماع على الكثير من القضايا.
تدور قصة فيلم “أميرة” حول الأسير “نوار” (علي سليمان)، وكان قد سبق وأنجب فتاةً باتت يافعةً بطريقة “تهريب النُّطَف” من زوجته “وردة” (صبا مبارك)، وحين يعبّر عن رغبته في الإنجاب مجدداً بعد سنين، يُكتَشف أنه عقيم، وهنا تبدأ الحبكة التي فيها من الخيال “غير العلمي” الكثير، حيث تبدأ الشكوك تطارد زوجة الأسير، لدرجة الشكّ بعلاقةٍ ما بينها وبين أحد أشقّاء زوجها، وحدّ محاولتها اختلاق قصةٍ تضع من خلالها نفسها في قفص الاتهام بعلاقة غير شرعية مُختلقة مع أسيرٍ محررٍ كان صديقاً لزوجها قبل استشهاد الأول، وذلك كي لا تبوح بالسرّ الأكثر فظاعة، والذي يتَّضِح لاحقاً، وهو أن ضابطاً من سجّاني جيش الاحتلال ألقى القبض على “النطفة” الفلسطينية واستبدلها بنطفَتِه الخاصّة، دون أن يعلم أحد، لتُحْقَن بها الزوجة، قبل أن تكتشف لاحقاً أن ابنتها “أميرة” (تارا عبود) هي ابنة ضابط إسرائيلي، وليست ابنة الأسير الذي تفتخر بكونه والدها، وهو ما يتمّ اكتشافه من قِبَل الجميع بمن فيهم المشاهدين لاحقاً.
أحداث الفيلم لم تنتهِ عند هذا الحدّ، ولكني سأركّز على جزئيات بعينها تتعلق بذلك التعاطي المسيء لنضالات وعذابات الأسرى وزوجاتهم وعائلاتهم، حيث التشكيك بنَسَب ما يزيد عن مئة من “أطفال الحرية”، عبر نموذج “أميرة”.
قد يقول قائل إن فيلم “أميرة” روائي، وبالتالي فإن هناك مساحة لإعمال الخيال فيه، لكن الخيال هنا “غير علمي”، أكرر، فلم يحدث أن نَسَبَ أسيرٌ ابنَه أو ابنَتَه القادمين إلى الحياة من “نطفته المهربة” لأخيه أو أيٍّ من أقاربه، ولا يمكن بالمنطق إن وقَعَتْ نطفةٌ في يد سجّان إسرائيلي، أن ينتظر مهرّبها أيّاً كان ذلك السجان كي يُفرغ ما لديه ليستبدل نطفة الأسير بنطفته، كما أنه، وإن ذهبنا إلى بدء هذه العملية فإن أكبر مولود بهذه الطريقة يكاد لا يتجاوز العاشرة من عمره، لا كما ظهرت “أميرة” في الفيلم أكبر بكثير، ومع كون هذه الجزئية ليست محورية هنا، لكن الإشارة إليها تأتي من باب تثبيت المعلومة الدقيقة.
قد لا تمرّ هذه المغالطات المسيئة للأسرى وعائلاتهم على الكثير من الفلسطينيين، لكنها غالباً ستمرّ، بل وربما تحت تبريرٍ وهميٍّ بدعم القضية الفلسطينية ونضالات الأسرى وصمودنا على أرضنا، عند عرض الفيلم في أيّ محفل سينمائي عربي أو دولي، أمام جمهور لا يعرف الكثير أو حتى القليل من التفاصيل عن إنجاب الأسرى لأطفالهم عبر “تهريب النُّطَف”، فنرى الجمهور يصفّق للفيلم إمّا إعجاباً بجرأة الفكرة، أو تأثّراً بإنصافٍ سرابيٍّ لشعب لا يزال يعيش كل يوم تداعيات كارثية لسياسات الاحتلال العنصرية، أو انبهاراً بفنيّات الفيلم وأداء ممثّليه.
جديرٌ بالذكر أنه وبعد انتهاء الفيلم، وقبيل استعراض القائمين عليه والعاملين فيه، وردت كتابةً العبارةُ التاليةُ: “منذ 2012 ولد أكثر من 100 طفل بطريقة تهريب النطف.. طرقُ التهريبِ تظلّ غامضة.. كلّ الأطفال تمّ التأكد من سلامة نسبهم”!
الحديث عن فيلم “أميرة” يطول، لكن ما حدث فيه أو اشتمل عليه لا يندرج في إطار “الخيال الروائي” المطلوب في الأدب كما في السينما، بل هو محض مغالطات، ساهم أصحابُها من فريق العمل، وخاصةً المسؤولين عن الكتابة والإخراج والإنتاج، وبدرجةٍ ثانيةٍ التمثيل، بقصد أو بدونه، في تشويهٍ واضحٍ، برأيي، لمِفصَلٍ محوريٍّ مهمٍ من مفاصل مقاومتنا للاحتلال.. وهنا يبرز السؤال: لماذا؟ وأين المشاركون الفلسطينيون في الفيلم بمختلف تفاصيله من دورهم في تصحيح مساراته، والحدّ من مغالطاته التي وَضَعَتْ أطفال الأسرى عبر “النُّطَف المهربة” تحت مقصلة التشكيك؟



