تقارير

قراءة في كتاب “الرايات السود” .. ملاحقة القاعدة من الداخل

هجمات 11 سبتمبر

الهجوم الانتحاري على برجي التجارة العالمي في نيويورك في 11 سبتمبر أيلول 2011

يؤكد الكاتب في فصول عدة من الكتاب أن حظوظ مكتب التحقيقات الفدرالي كانت كبيرة جداً في منع وقوع الهجوم على البرجين في مدينة نيويورك الأمريكية بتاريخ 11 أيلول/ سبتمبر 2001، لو أن وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) قدمت ما لديها من معلومات للوكالات الأمريكية الأخرى العاملة في مجال تطبيق القانون، ومنها الـ FBI.

يشير صوفان إلى أن إساءة تفسير اجتهاد قانوني لقاضية أمريكية جعلت الـ CIAتمتنع عن مشاركة معلوماتها مع أية جهة داخلية أخرى، حتى وإن كان ذلك سيحمي البلاد من هجمات مدمّرة كتلك الهجمات اليي غيّرت وجه الولايات المتحدة والعالم.

يروي المحقق الأمريكي كيف أنه وزملاءه طلبوا معلومات مراراً وتكراراً عن أشخاص تبيّن لاحقاً أنهم من المخططين أو المنفّذين للهجوم على نيويورك، لكن وكالة الاستخبارات الCIA كانت دائماً ترفض التعاون، وذلك بعد أن علم مكتب التحقيقات عن تحرّكات مشبوهة لعناصر من “القاعدة” في ماليزيا، البلد الذي تم على أراضيه الاجتماع التخطيطي الأهم لهجوم الطائرات على البرجين الأمريكيين.

يروي صوفان حالة الغضب التي سيطرت على زملائه المحققين عندما علموا أهمية المعلومات التي حجبتها الـ CIAعنهم، حيث اتصل أحدهم بقادة وكالة الاستخبارات ليلومهم على ما فعلوه، فما كان من رجال الـ CIAإلا أن تذرّعوا بأن ما قاموا به كان أمراً دستورياً، فتمنّى زميل صوفان لهم عندها أن يكون ضميرهم مرتاحاً بعدما أدت حماية الدستور – بحسب رأيهم – إلى عدم إيقاف هجوم أودى بحياة آلاف من الناس.

وأبرز فضائح إدارة بوش الإبن التي يفنّدها بالتفاصيل كتاب “الرايات السود”، هي “تقنيّات التحقيقات المعززة” أو “تقنيات الاستجواب التعسّفية” كما يراها صوفان، وهي تشمل الكثير من وسائل التعذيب والإهانة بحق المعتقلين التي قام بها متعاقدون مع الـCIA، ظناً منهم أنها ستدفع أخطر المعتقلين إلى الإدلاء باعترافات مهمة.

التقنيات هذه، بحسب “الرايات السود”، تبدأ من عزل المعتقل وتنتهي بأكثر الإجراءات تعذيباً وهي “الإحساس بالغرق”، أي إيهام المعتقل بأنه سيغرق ويفارق الحياة بهذه الطريقة، وممّا تشمله هذه التقتيات: الحرمان من النوم لأيام عدة، استخدام الموسيقى العالية، استخدام الحفاضات لمدة محدودة، إجبار المعتقل على خلع ثيابه والخضوع للتحقيق عارياً …

يشدّد صوفان على أنّ كل الذين خضعوا لهذه التقنيات، إما لم يتجاوبوا معها لأنهم مدرّبون على مواجهتها، وإما أعطوا معلومات خاطئة من خلال قول ما يريد المحقق أن يسمعه من أجل التخلّص من التعذيب.

صوفان يؤكد مراراً في كتابه أن سير التحقيقات أثبت أن أسلوبه في التحقيق، الذي يعتمد على الوسائل الذكية والتي تحفظ احترام وكرامة المعتقلين على حد تعبيره، هو الذي يحقق النتيجة المرجوّة، لكن إدارة بوش، بالإضافة إلى الخبراء النفسيين المتعاقدين مع الـ CIAأصرّوا على أسلوبهم القاسي، وخاصة أن هؤلاء الأخيرين كانوا يتقاضون من الحكومة الأمريكية أجوراً عالية في مقابل جهودهم في تعذيب المعتقلين، تصل إلى ألف دولار يوميّاً، كما أنهم حاولوا سرقة إنجازات محققي الـFBI، مدّعين أنها من منجزات عمليات التعذيب التي يعتمدونها.

في هذا الإطار، يشير صوفان إلى أحد مسؤولي وكالة الاستخبارات الأمريكية جون كريكاو، وهو الذي أعلن على شاشة التلفزيون أن أباد زبيدة (أحد المتعاونين بشكل مستقلّ مع القاعدة والذي يصرّ صوفان على أنه لم ينتمِ إلى هذا التنظيم أبداً) لم يتعاون مع التحقيق حتى استُخدمت وسيلة الإغراق والاختناق معه لمدة 35 ثانية، مؤكداً أنه شاهد ذلك بنفسه. لكن كريكاو ما لبث أن اعترف بعد فترة من الزمن أنه تلقّى معلومات مغلوطة، وأن أبا زبيدة لم يعترف جرّاء التعذيب هذا بأية معلومات جديدة ذات قيمة.

المواجهات بين الـ FBIوالـ CIAلم تشمل فقط منع مكتب التحقيقات من التحقيق مع بعض المعتقلين، أو حجب المعلومات عنه، بل إن سوء تقدير وتصرّف الـ CIAقاد – بحسب الكاتب- إلى الإفراج عمّن وصفه “أكبر عضو في القاعدة وقع في أيدينا”، وهو أبو عاصم المغربي.

الربط بين “القاعدة” وصدّام حسين .. وملاحقة بن لادن

زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن

في الكتاب معلومات مهمة عن رغبة إدارة بوش في إيجاد روابط بين تنظيم القاعدة والرئيس العراقي السابق صدام حسين، وذلك من أجل تبرير اجتياح العراق.

يلفت صوفان إلى أحد أعضاء القاعدة، هو ابن الشيخ الليبي، الذي يؤكد أنه اعترف تحت التعذيب بأن هناك ما يربط النظام العراقي بـ”القاعدة”، وهو ما ظهر لاحقاً بشكل واضح في تقرير للجنة منتخبة من مجلس الشيوخ الأمريكي للتحقيق بشأن هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001.

ومما يكشفه صوفان في “الرايات السود”، هو أن وكالة الاستخبارات الأمريكية منعت محققي الـFBI من متابعة استجواب موقوفَيْن خطيرَيْن من “القاعدة”، كان بحوزتهما معلومات كان من المحتمل جداً أن تقود إلى تحديد مكان زعيم التنظيم أسامة بن لادن.

حاول محققو مكتب التحقيقات، وبعد أن علموا بقيمة الموقوفَيْن أن يوقفوا عملية تسليمهما إلى بلدين لا يزال اسماهما سرّيين، لكن من دون جدوى، حيث جاء رد الـ CIAعلى الشكل التالي: “اتُّخذ القرار بتسفيرهما جواً إلى البلدين المعنيّين. سيُعتبر الموقوفان غير متعاونين، حتى ولو أبلغانا بمكان وجود بن لادن”.

يستغرب صوفان أنه سُمح له ولزملائه باستجواب المعتقلَيْن، لكنهم مُنعوا بعدها من متابعة الاستجواب عندما اقتربا من تحقيق نتيجة مهمة. ومن أجل تفسير هذا السلوك الغريب من الـCIA، ينقل صوفان ما قاله له أحد زملائه: “اتُّخذ قرار قبل استجوابكما للمعتقلين. كان السبب الوحيد لسماحهم بفترة الدقائق الـ45 هو تغطيتهما في المرحلة النهائية. (هي الفترة التي سُمح للـFBI بالتحقيق مع المعتقلَيْن) لم يتوقعوا أن تتمكنوا من إحراز هذا النجاح في هذه الفترة القصيرة، وهكذا لم يمانعوا أن تتحدثوا إليهما بحيث سيقولون عند مساءلتهم إنهم فعلوا كل ما في وسعهم حتى إعطاء أحد أكبر مستجوِبي مكتب التحقيقات فرصة استجوابهما، لكن الإرهابيين لم يتعاونا. لكنّكم أفسدتم عليهم خططهم، ولهذا أنكروا حصولكم على معلومات استخبارية”.

مما يلفت النظر سريعاً في كتاب “الرايات السود”، هو أن وكال الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) قامت بحذف العديد من الصفحات داخل الكتاب، من خلال تغطيتها باللون الرمادي، وذلك عندما مارست الرقابة على كتاب صوفان.

من الجدير ذكره أيضاً أن الكتاب ينتهي بوضع تعريف يلخّص ما يعرفه الكاتب عن أبرز محققي الـ FBI، وأولئك الذين عمل معهم في الـ CIAخلال سنوات عديدة، بالإضافة إلى أهم أعضاء “القاعدة” مثل أسامة بن لادن، محمد عطا (قائد منفذي هجمات 11 أيلول سبتمبر)، سيف العدل، أبو عبد الرحمن المهاجر، أبو عبيدة البنشيري، رمزي بن الشيبة، أحمد الحداء وآخرين …

الصفحة السابقة 1 2
بواسطة
الميادين

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى