أبو سفيان رضي الله عنه
أما أبو سفيان – رضي الله عنه -، فقد أسلم ليلة الفتح، وأعطاه رسول الله من غنائم حنين كما أعطى سائر المؤلفة قلوبهم فقال له: والله إنك لكريم فداك أبي
وأمى، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا. ثم شهد الطائف مع رسول الله، وفقئت عينه في القتال، ولاه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نجران، ورسول الله لا يولى منافقًا على المسلمين، وشهد اليرموك، وكان هو الذي يحرض الناس ويحثهم على القتال. وقد ذكر الكاتب فيما استدلّ به على إبطان أبي سفيان النفاق والكفر أنه كان يستبشر بهزيمة المسلمين في يوم حنين، وفي قتال المسلمين والروم فيما بعد، وهذا باطل مكذوب. وسأذكر بعد تفصيل ذلك. أما قول أبي سفيان للعباس “لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيما! ” فقال العباس إنها النبوة! فقال أبو سفيان: فنعم إذن. فهذا خبر طويل في فتح مكة، قبل إسلامه، وكانت هذه الكلمة “نعم إذن” أول إيذان باستجابته لداعى الله، فأسلم – رضي الله عنه – وليست كما أولها الكاتب: “نعم إذن. وإنها كلمة يسمعها بأذنه فلا يفقهها قلبه، فما كان مثل هذا القلب ليفقه إلا معنى الملك والسلطان”، إلّا أن يكون الله كشف له ما لم يكشف للعباس ولا لأبى بكر ولا لعمر، ولا لأصحاب رسول الله من المهاجرين والأنصار. وأعوذ بالله من أن أقول ما لم يكشف لرسول الله ونبيه – صلى الله عليه وسلم -.
وعن ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله ثلاثًا أعطنيهنّ. قال: نعم قال: تؤمرنى حتى أقاتل الكفار كما قاتلتُ المسلمين. قال: نعم. قال: ومعاوية تجعلُه كاتبًا بين يديك. قال: نعم. وذكر الثالثة، وهو أنه أراد أن يزوّج رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بابنته الأخرى عزّة بنت أبي سفيان، واستعان على ذلك بأختها أم حبيبة فقال: “إن ذلك لا يحلُّ لي”.
هند بنت عتبة أم معاوية رضي الله عنهما
وأما هند بنت عتبة أم معاوية -رضي الله عنهما- فقد روى عن عبد الله بن الزبير (ابن سعد 8: 171) قال: لما كانَ يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة ونساء معها وأتين رسول الله وهو بالأبطح فبايعنه، فتكلمت هند فقالت: يا رسول الله! الحمد لله الذي أظهر الدين الذي اختاره لنفسه. لتنفعني رحمُك يا محمد! إني امرأةٌ مؤمنة بالله مصدقةٌ برسوله. ثم كشفت عن نقابها وقالت: أنا هند بنت عتبة. فقال رسول الله: مرحبًا بك. فقالت: والله ما كان على الأرض أهل خباء
أحبّ إليّ من أن يذلُّوا من خبائك، ولقد أصبحتُ وما على الأرض أهل خباء أحبّ إليّ من أن يعزّوا من خبائك. فقال رسول الله: وزيادة. . . قال محمد بن عمر الواقدى: لما أسلمتْ هندُ جعلت تضربُ صَنمًا في بيتها بالقدوم حتى فلّذته فلذة فلذة وهي تقول: كنّا منك في غرور. وروى البخاري هذا الخبر عن أم المؤمنين عائشة (5: 40).
فهل يعلم عالمٌ أن إسلام أبي سفيان وهند كان نفاقًا وكذبًا وضغينة؟ لا أدري. ولكن أئمتنا من أهل هذا الدين لم يطعنوا فيهم، وارتضاهم رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وارتضى إسلامهم. وأمّا ما كان من شأن الجاهلية، فقل رجُلٌ أو امرأةٌ من المسلمين لم يكنْ له في جاهليته مثل ما فعل أبو سفيان، أو شبيهٌ بما يروى عن هندٍ إن صحَّ.
عمرو بن العاص رضي الله عنه
وأما عمرو بن العاص، فقد أسلم عام خيبر قدم مهاجرًا إلى الله ورسوله، ثم أمّره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على سرية إلى ذات السلاسل يدعو بليًّا إلى الإسلام، ثم استعمله رسول الله على عمان فلم يزل واليًا عليها إلى أن توفيَ رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. ثم أقره عليها أبو بكر – رضي الله عنه – ثم استعمله عمر. وروى الإمامُ أحمد في مسنده (2: 327، 353، 354) من حديث أبي هريرة أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: “ابنا العاص مؤمنان” يعني هشامًا وعمرًا. وروى الترمذي وأحمد في مسنده (4: 155) عن عقبة بن عامر الجهني: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول: أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص. وروى أحمد في مسنده (1: 161) عن طلحة بن عبيد الله قال: ألا أخبركم عن رسول الله بشيء؟ ألا إني سمعته يقول: عمرو بن العاص من صالحي قريش. ونعم أهل البيت أبو عبد الله، وأم عبد الله، وعبد الله.
فإذا كان جهاد عمرو، وشهادة أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وتولية رسول الله ثم أبي بكر ثم عمر، لا تدل على شيء من فضل عمرو بن العاص، ولا تدل على نفي النفاق في دين الله عنه، فلا ندري بعد ما الذي ينفع عمرًا في دنياه وآخرته؟ ولست أتصدى هنا لتزييف ما كتبه الكاتب من جهة التاريخ، ولا من جهة
المنهاج، ولكني أردت كما قلت أن أبين أن الأصل في ديننا هو تقوى الله وتصديق خبر رسول الله وأن أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – ليسوا لعانين ولا طعانين ولا أهل إفحاش، ولا أصحاب جرأة وتهجم على غيب الضمائر، وأن هذا الذي كانوا عليه أصل لا يمكن الخروج منه، لا بحجة التاريخ، ولا بحجة النظر في أعمال السابقين للعبرة واتقاء ما وقعوا فيه من الخطأ.
ولو صح كل ما يذكر مما اعتمد عليه الكاتب في تمييز صفات هؤلاء الأربعة، وصفة بني أمية عامة، لكان طريق أهل الإسلام أن يحملوه على الخطأ في الاجتهاد من الصحابي المخطئ ولا يدفعهم داء العصر أن يوغلوا من أجل خبر أو خبرين في نفي الدين والخلق والضمير عن قوم هم لقرب زمانهم وصحبتهم لرسول الله – صلى الله عليه وسلم -، أولى أهل الإسلام بأن يعرفوا حق الله وحق رسوله، وأن يعلموا من دين الله ما لم يعلمه مجترئ عليهم طعان فيهم.
الخاتمة
وأختم كلمتى هذه بقول النووي في شرح مسلم (16: 93) “اعلم أن سبَّ الصحابة -رضي الله عنهم- حرام من فواحش المحرمات، سواء مَن لابَسَ الفتن منهم وغيره، لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون. وقال القاضى: سب أحدهم من المعاصى الكبائر. ومذهبنا ومذهب الجمهور أن يعزر ولا يقتل. وقال بعض المالكية يقتل”. وأسدى النصيحة لمن كتب هذا وشبهه أن يبرأ إلى الله علانية مما كتب وأن يتوب توبة المؤمنين مما فرط منه، وأن ينزه لسانه، ويعصم نفسه، ويطهر قلبه، وأن يدعو بدعاء أهل الإيمان {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [سورة الحشر: 10].
من أجل هذا أقول: إن خلق الإسلام، هو أصل كل منهاج في العلم والفهم، سواء كان العلم تاريخًا أو أدبًا أو اجتماعًا أو سياسة. وإلا فنحن صائرون إلى الخروج عن هذا الدين، وصائرون إلى تهديم ما بناه أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وإلى جعل تاريخ الإسلام حشدًا من الأكاذيب الملفقة، والأهواء المتناقضة،
والعبث بكل شيء شريف ورثتنا إياه رحمة الله لهم وفتح الله عليهم، ورضاه عن أعمالهم الصالحة، ومغفرته لهم ما أساءوا، -رضي الله عنهم- وغفر لهم وأثابهم بما جاهدوا وصبروا، وعلموا وعلّموا. وأستغفر الله وأتوب إليه.
الهوامش
(1) المُدّ: رُبْع الصاع، وإنما قدّره به – صلى الله عليه وسلم – لأنه أقل ما كانوا يتصدّقون به. والنَّصِيف والنِّصف بمعنى.
(2) غرب اللسان: حَدُّه.
(3) الفئام: الجماعة الكثيرة.
(4) للدكتور طه حسين -رحمه الله-.
(5) يعني الأستاذ سيد قطب، -رحمه الله-، في كتابه “العدالة الإجتماعية”.
(6) المشقص: نصل طويل عريض (المقص).
(7) الإداوة: إناء من جلد صغير كالقربة.



