- كرة القدم صارت راية المجد للبعض ووسادة الأحزان للبعض الآخر
عن هذه اللغة التي ابتكرتها البشرية، وحروب الكراهية التي صنعتها في الملاعب وخارجها، نتحدث.
تلك الكرة الأنيقة التي ضربت موعدًا مع المتعة، فاصطادت آهات الإعجاب، وصنعت زفرات الأسى، وصارت راية المجد للبعض ووسادة الأحزان للبعض الآخر.
هذه الكرة التي تتدحرج لتعانق العشب أو الشباك التي تطير في الزمان والمكان بسرعة، باحثة عن المرمى.
هذه الكرة التي اتضح بها الخلل في علاقة المشجعين بها، بدءًا من إغفال جوهر التنافس الرياضي، وانتهاء بمأساة تعظيم الأقدام وتغييب العقول.
لا ننكر الشعبية التي تحظى بها كرة القدم، فهي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، إلا أنها تحولت من منافسة رياضية إلى حروب لفظية، ومشاحنات أخلاقية، بل معارك وحروب.
فقد غيرت كرة القدم مفهوم المنافسة الشريفة لتتحول إلى تعصب جاهلي والذي يؤدي إلي الصراعات العسكرية والاحتقان بين الشعوب.
غيرت كرة القدم مفهوم المنافسة الشريفة لتتحول إلى تعصب جاهلي
أم درمان كلمة السر
من أشهر المباريات التي أحدثت أزمات بين الدول، كانت مبارة أم درمان والتي جمعت بين المنتخب المصري والمنتخب الجزائري، في التصفيات المؤهلة إلى كأس العالم 2010، حيث أشعل الأعلام الأزمة.
الأحداث
فوز الفريق الجزائري على المنتخب المصري باستاد أم درمان في يوم 18 نوفمبر 2009، وبدأت المشاحنات بين جماهير الفريقين، ووصلت إلى سحب السفير المصري من الجزائر.
وبدأ الإعلام من الجانبين في إثارة الشعوب، وزاد إلقاء التهم، حتى أن عدد من الدول العربية تدخلت لحل الخلاف ونزع فتيل الأزمة بين الدولتين.
الصراع بين الكروات والأتراك
ما حدث بين مصر والجزائر حدث أشد منه بين مشجعي الفريق التركي والفريق الكرواتي، فعقب مبارة الفريقين في كأس الأمم الأوروبية والتي أقيمت بالنمسا عام 2008، والتي انتهت بفوز الفريق التركي، بدأت الجماهير في التشابك وزادت حدة الاشتباكات بعد أن بدأت الجماهير التركية بالهتافات ضد الكروات.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، بل انتقلت المشاحانات إلى البوسنة والتي تضم عدد من مناصري الأتراك، وآخرون مناصري الكرواتن لتعود اشتباكات قريبة بالحرب الأهلية مخلفة عدد من القتلى والجرحى.
حرب ال100 ساعة أو حرب “الكرة”
أما الكارثة الأكبر فكانت في مباراة تسببت في حرب الـ 100ساعة، واطلق عليها الصحافي البولوني ريزارد كابوسينزكي – وهو من أهم من قاموا بتغطية أحداثها- “حرب الكرة”

البداية
في عام 1969 وبعد أحد المباريات المؤهلة لكأس العالم 1970، أشتعلت الحرب بين دولتين جارتين في أمريكا الوسطى هما هندوراس والسلفادور وانتهت بكارثة: أكثر من 6000 قتيل معظمهم مدنيون، ومعهم 12 آلاف مشوه و120 ألف مشرد، ودمار مئات البيوت والمنشآت ، كل ذلك كان بسبب شرارة صغيرة من كرة مطاطية تقاذفتها الأقدام فوق عشب يوحي لونه بالسلام.
المباراة الأولى
في 8 يونيو 1969 في العاصمة “تيغوسيغالبا”، عاصمة هندوراس، كانت المباراة والتي انتهت بالفوز فى الوقت بدل الضائع بهدف وحيد، ليتحول الملعب لشعلة نار. الهيستيريا وحدها قادرة على تفسير ما حدث، فبينما كان لا صوت يعلو فوق الاحتفالات، كان جمهور الضيوف يدور بدوامة الإحباط وهو يرى منافسيه الذين تحولوا لأعدائه يحتفلون بهدفهم، لكن امرأة سلفادورية كان لها أن تمزق هذه الحالة لتُقدم على الانتحار داخل الملعب.
الإعلام
وهنا تدخل الإعلام ليلعب الدور الأبرز في التحريض بين البلدين، فلم يجد الإعلام السلفادوري فرصة أفضل لمحاولة خلق حالة من الدفاع عن الشرف الوطني، وبدأ الحديث في صحف هندوراس عن اعتداءات على مشجعيها في السلفادور، فيما فتحت الأخيرة ملف إيذاء أبنائها في البلد المجاور.
يقول “ماريو جريفين” مدرب منتخب الهندوراس حينذاك عن تلك اللحظات:
لقد كنا محظوظون بشكل كبير أننا خسرنا، هذا لأنه إذا كنا قد فزنا فإنني لم أكن على يقين أننا سنخرج أحياءً من الملعب، يكمل عن سبب الخسارة: إن اللاعبين لم يفكروا لوهلة في المباراة، لقد فقدوا عقولهم، جلّ ما كانوا يفكرون فيه هو أن يبقوا على قيد الحياة.
ويقول إنريكي كاردونا، لاعب منتخب الهندوراس: “لقد كنا محظوظين بالخسارة، لولاها لما كنا أحياء”
المبارة الثانية
ثم فازت السلفادور 3- صفر على أرضها بعد أسبوع.
لكن الأمر لم يكن على ما يرام ففي داخل “هندوراس” بدأت العصابات المحلية الاصطياد بالماء العكر، فاتجهت لسرقة المهاجرين بل وصل الأمر لانتزاع ملكياتهم أو حرق أراضيهم خارج إطار الحكومة، هذه العصابات وجدت الحاضنة الشعبية التي تسمح بهذا الإجرام.
كانت نتيجة ذلك هو فرار أعداد كبيرة من المهاجرين نحو”السلفادور” مرة أخرى، قدر عددهم قرابة 17 ألف نسمة!

المبارة الفاصلة
فاحتكم الطرفان إلى مباراة فاصلة – كما كانت قوانين اللعبة في هذا الوقت-، أقيمت على ملعب “أزتيكا” في العاصمة المكسيكية في 27 يونيو 1969، حيث فازت السلفادور 3-2 في الوقت الإضافي وصعدت إلى المونديال.
يقول الأرجنتيني “جريجوريو بونديو” مدرب “السلفادور” آنذاك إن رئيس البلاد استدعاه خصيصًا للقصر الجمهوري وطالبه ببذل أقصى جهد للدفاع عن ألوان البلاد التي تخوض ما هو أكبر من مجرد مباراة، يبدو أن الأرجنتيني كان على مقدار المسئولية، فقاد فريقه للفوز بعد مباراة ماراثونية مع الخصم!

بداية الحرب
بلا أي مقدمات سوى بعض المناوشات، والمعارك اللسانية، انطلقت الحرب في 14 يوليو 1969، حيثاستغلت «السلفادور» قدرتها العسكرية بعشرين ألف جندي متفوقة على نظيرتها بالضعف تقريبًا، لكن «الهندوراس» كان لها أن تتحرك سريعًا فقصفت هي الأخرى بعد ساعات مصانع لتكرير البترول بـ«السلفادور» محققة أضرارا بالغة.
وانتشرت القوات البرية للجيشين على طول الحدود، وبدأ القصف المدفعي عشوائيا من الطرفين على القرى والبلدات من الجانبين، وانتهكت طائرات هندوراس أجواء السلفادور، واستخدمت هندوراس حتى الطائرات التجارية كقاذفات قنابل وقصفت أهدافا بقنابل النابالم.
وردت السلفادور بهجوم بري واسع النطاق حمل قواتها لأن تتوغل مسافة زادت على 40 كيلومترا داخل الأراضي الهندورية.
واستعان سلاح الجو السلفادوري بطيارين أميركيين لقيادة قاذفاته، فيما زود حاكم نيكاراجوا أنستاسيو سوموزا جيش هندوراس بالسلاح والذخيرة.
ولم تنسحب «السلفادور» إلا بالثاني من أغسطس بعد أن ضمنت حقوق مواطنيها، وبعد مرور 11 عاما كان لها أن تجتمع مع الـهندوراس تحت مظلة محكمة العدل الدولية لتوقيع معاهدة سلام بـ30 أكتوبر 1980، أما على مستوى اللعبة فقد خاض البلدان عددا من المباريات الرسمية بعد ذلك، بل وتأهلا معًا لمونديال 82 بإسبانيا. وانتهت الحرب بعد تدخلات دولية، وبدأت كل منهم في لملمة أشلاءها.

التصعيد الإعلامي بين الأمس واليوم
هل يوصل غباء الإعلام وروادمواقع التواصل الاجتماعي، الأمر بين مصر وتونس، لما وصلت إليه العلاقة بين مصروالجزائر، بعد مبارة ام درمان، أم سيكون للعقل دور آخر .
اقرأ أيضاً






