كتب في الرد على الإخوانمكتبة

تعريف بكتاب.. معضلة الإصلاح دراسة حول مناهج التغيير لدى التيارات الإسلامية المعاصرة

صدر في معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام الإصدار الجديد للمهندس أحمد الشحات، والذي يأتي بعد عدة إصدارات مميزه، تهتم بنقض أفكار العنف والجماعات المنحرفة، فبعد أن أصدر العنف الكامن، وكربلاء العصر بين الحقيقة والبهتان، يأتي إصدار هذا العام ليحمل عنوان، معضلة الإصلاح دراسة حول مناهج التغيير لدى التيارات الإسلامية المعاصرة.

يقول المؤلف

تعد قضية الإصلاح من القضايا الكبرى التي شغلت أذهان المفكرين عبر التاريخ في كافة أنحاء العالم، وقد تنوعت المناهج والفلسفات من أجل الوصول إلى تعريف لماهية الصلاح وأركانه ووسائله، وغالب هذه الفلسفات تقوم على تجارب بشرية وآراء مستمدة من نظريات لم تنطلق من الوحي الذي أنزله الله على أنبياءه ورسله، فالأمم السابقة حرفت وبدلت في كتبها فلم يبق لها من ميراث أنبيائهم شيئاً نقياً خالصاً، بل عادة ما يكون مختلطاً بآراء الرهبان والأحبار الذين عبثوا وغيروا في كتبهم، وهناك ديانات أرضية وشرائع وضعية لم تتصل بوحي السماء وإنما عبدت البشر أو الأصنام أو غيرها من أنواع المعبودات الباطلة، ومن ثم فتصور الإصلاح عندها جزء من هذه الديانة الباطلة المُخترعة.

والعلمانية الحديثة قامت في أوروبا لتحل محل الدين المحرف الذي ثاروا عليه ونبذوه، وبالتالي فهي كذلك صاحبة رؤية في ذلك تسعى لنشرها – بل فرضها – على شعوب العالم لأنها ترى أنها وصلت لأفضل نموذج يمكن أن يتبناه البشر، وهكذا يتكرر نفس الأمر مع كافة النظم والمناهج والفلسفات التي تمتلك رؤية خاصة تعالج بها قضية الوجود الإنساني على الأرض وما يتفرع عنه من قضايا.

من هنا نعلم أن قضية التغيير لا تنفصل بحال من الأحوال عن العقيدة، فقضية الإيمان بوجود الخالق، والحكمة من خلق الإنس والجن، والهدف من الوجود الإنساني على الأرض يؤثر بشكل واضح على رؤية الإنسان لقضية التغيير، لذلك يتفوق المسلم بما لديه من وضوح ونقاء في عقيدته عن كل التصورات الأرضية التي لا تنطلق من معين الوحي، فالمنظومة المعرفية للمسلم تقوم على مجموعة من الركائز والأركان المستمدة من الوحي، ولا دخل للبشر فيها من قريب أو بعيد، حتى الأنبياء والرسل كان دورهم يقتصر على البيان والبلاغ عن الله في هذه الأمور، كما أمر الله تعالى نبيه أن يقول:-” قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا”.

وبالتالي فقضية التغيير عند المسلم ترتبط بكونه عبد لله تعالى، خلقه الله لعبادته وسخر الكون لخدمته، وأوجده في الحياة من أجل أن يُعمرها وينشر الخير فيها وهو في هذا التكليف مبتلي بمن يعرقله ويعطله عن هدفه، والواجب على العبد أن يجتاز هذه العقبات بنجاح وأن يؤدي دوره فيها كما أمره ربه مستعينا بالله على ما يتعرض له من محن وإبتلاءات إلى أن يحين أجله وينقطع عمله وينتقل إلى دار أخرى يظل فيها إلى أن يأتي يوم الحشر والعرض فيحاسب على أعماله وما كسبته يده، وأمله ورجاؤه في ربه أن يدخل الجنة فيبقى فيها خالداً مخلداً، وهذا هو معيار النجاح والفوز الذي يتميز البشر على أساسه إلى شقى وسعيد، فالمسلم في الدنيا هدفه أن يعود إلى منازله الأولى وسكنه الأول وهو الجنة الذي أخرج منها يوماً من الأيام.

فكل ما يمكن أن يُقال في قضية تغيير النفس والآخرين والعالم من حولنا يرتبط عند المسلم بشكل وثيق بهذه الرؤية الكلية الحاكمة على سلوكه وتصرفاته، والتي يستمدها المسلم من الوحي قرآنا وسنة، حيث بين الوحي تفاصيل هذه المعالم حيث عالجتها الآيات والأحاديث بوضوح شديد لكي لا تدع فيها مجالاً للتجارب أو العبث.

من هذا المنطلق تُعد قضية الموقف من التغيير من القضايا المركزية والمحورية التي يتعلق بها ترتيب باقي القضايا المنهجية لدى كل جماعات الدعوة وكيانات الإصلاح، أما كونها مركزية فلأنها تعبر عن فلسفة الكيان في العمل ومناهج الحركة وطريقة التفكير وترتيب الأولويات ومنهج التربية وخطة التحرك داخل المجتمع وطريقة التعامل مع الدولة …إلخ.

نعم لا تستكثر كل هذه القضايا لأنها بالفعل تابعة لموقف الكيان أو المؤسسة من منهج التغيير، وكل اختيار داخل مناهج التغيير يستتبعه اختيارات معينة في باقي القضايا، ومن ثم إذا أردنا أن نعطي لها رقم في مصفوفة الأولويات لدى الحركات والكيانات، فهي تحتل القضية الأولى مباشرة بعد مناهج الاستدلال[1].

ومما يدل على أهميتها وخطورتها أننا نضطر في بيانها وشرحها إلى توضيح جملة من القضايا الأخرى، منها الموقف من الفكر الصدامي، وبيان ضوابط الجهاد، وفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والموقف من العمل الفردي، وضوابط الحكم بغير ما أنزل الله، وكذلك الموقف من العمل الجماعي، فضلاً عن بيت القصيد من البحث وهو الموقف من المشاركة السياسية، لذلك لو أردنا أن يكون هذا البحث هو منطلقنا لفهم باقي القضايا والأبحاث لما أبعدنا النجعة.

إذن كيف نشأ الخلاف بين الجماعات الإسلامية حول منهج التغيير؟ ولماذا لا يتم الاتفاق على منهج واحد؟

الجماعات الإسلامية المعاصرة – في المجمل ومن حيث التنظير – تتفق على قاعدة الاحتكام إلى المنهج السلفي، والذي نعني به الرجوع إلى الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، لأن من يرفض هذه المرجعية برمتها أي يرفض الاحتكام إلى الكتاب والسنة فهو بذلك ليس بمسلم، لأن من يرفض هذه المرجعية إما أن يكون كافراً لم يدخل في الإسلام ولم يؤمن به، أو ممن يرى أن العلمانية هي دينه وهؤلاء درجات متفاوتة، منهم الكاره للدين والرافض لشريعته، ومنهم من انخدع بشبهات العلمانيين والمتغربين ويحتاج إلى مناقشة وإقامة حجة، وهكذا.

وبعيداً عن هؤلاء، فما سواهم درجات متفاوتة، فمنهم من يسموا أنفسهم بالقرآنيين وهم الذين يزعمون الاحتكام إلى القرآن دون السنة، ومنهم الشيعة الذين ردوا السنة لأنهم كفروا رواتها، ومنهم من قبل بمرجعية الكتاب والسنة إجمالاً ولكنه جعل من العقل حاكماً عليهما في الفهم، فنشأت التيارات العقلانية التي عظمت العقل ورفعته فوق شأنه واعتمدت على التأويل في تفسير نصوص القرآن والسنة، وفي مقابل ذلك أهملت فهم السلف وعلومهم.

المهم أنه من حيث الناحية النظرية فالجماعات الإسلامية في معظمها تنطلق من قاعدة اتباع وتعظيم المنهج السلفي، حتى أن تيارات التكفير والغلو والصدام تنسب نفسها أيضاً إلى المنهج السلفي المبارك رغم اتساع الهوة بينهم وبينه، ولكن الخلاف بين الجماعات الإسلامية وقع أكثره في قضايا فقه الدعوة والحركة وتوصيف الواقع ومنهج التعامل معه، وبالتالي حدث خلاف حول قضية تغيير الواقع، وحول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشروعية تكوين الجماعات والعمل الجماعي، وطريقة التعامل مع الخلاف ودرجته، وتوصيف الدول المعاصرة والحكام، والموقف من قضية الحكم بغير ما أنزل الله على اعتبار أنها النازلة الكبرى التي أصابت الأمة بعد سقوط الدولة العثمانية.

ونتيجة لحدوث انحراف عقدي لدى بعض الجماعات فقد وقع خلاف أيضاً حول قضايا الإيمان والكفر وقضية العذر بالجهل، وقضية اعتبار المصالح والمفاسد في مناهج الدعوة والتغيير، وهذه القضايا كما ترى ستجد عند الخوض في تفاصيلها أن كثيراً من الجماعات التي رفعت شعار اتباع المنهج السلفي لم تنجح في الامتحان، وإنما ظهر حقيقة مخالفتها لمنهج السلف جملة وتفصيلا.

فبعض الجماعات الإسلامية عند النظر إلى حجم الانحراف لديها نجد أن الانحراف طال أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة، وبالتالي لا يمكن الحكم لها بأنها ضمن دائرة أهل السنة والجماعة بإطلاق، مثل جماعات التكفير والصدام التي تكفر المسلمين وتستهين بالدماء، فهؤلاء أقرب إلى الخوارج منهم إلى أهل السنة، وبعض الجماعات التي تعظم العقل وتهمل الدليل أقرب إلى المعتزلة منهم إلى أهل السنة، وهكذا يتعدد الحكم على الكيان تبعاً للنظر في منهجه، هل احتوى على أصل من الأصول المخالفة لأهل السنة، أو خالف أهل السنة في عدد من الفروع يرقى لأن يكون بمنزلة الأصل، فإن كانت هذه أو تلك فلا يمكن وصفهم بأنهم من أهل السنة بإطلاق، وفيما عدا ذلك تتفاوت الجماعات قرباً أو بعداً من منهج أهل السنة حسب القدر الذي خالفوا فيه أهل السنة.

وقد انتظمت الدراسة في فصلين كما يلي:

الفصل الأول: الدعوة السلفية ومنهجها في التغيير

المبحث الأول: معالم المنهج الإصلاحي من منظور الشريعة.

الملمح الأول: الإسلام نظام للحياة وهو صالح لكل زمان ومكان.

الملمح الثاني: ليس هناك تعارض بين الدين الإسلامي والسياسة.

الملمح الثالث: المرجعية وأثرها على تباين مناهج الإصلاح.

الملمح الرابع: رباعية الإصلاح.

الملمح الخامس: مراعاة فقه التدرج في التغيير.

الملمح السادس: ضبط الفرق بيْن الحكم والفتوى.

الملمح السابع: ضبط الفرق بين تغير الحكم وتغير الاجتهاد.

الملمح الثامن: ضبط الفرق بيْن الثوابت والمتغيرات.

الملمح التاسع: ضبط الفرق بين الغاية والوسيلة.

الملمح العاشر: الفرق بين المداهنة والمداراة.

المبحث الثاني: ملامح منهج الدعوة السلفية في قضية التغيير.

الأصل الأول: مثلث الإصلاح لدى الدعوة السلفية يقوم على إصلاح الفرد والمجتمع والدولة.

الأصل الثاني: إصلاح الفرد هو الركيزة الأولى في عملية الإصلاح.

الأصل الثالث: جماعات الدعوة إلى الله أحد وسائل إصلاح المجتمع.

الأصل الرابع: إصلاح الدولة جزء لا يتجزأ من عملية الإصلاح.

الأصل الخامس: منهجية التعامل مع الدولة القطرية الحديثة.

الأصل السادس: ضبط الموقف من الديموقراطية.

الأصل السابع: منهج الدعوة السلفية في التغيير يتوافق مع المنهج الإصلاحي.

المبحث الثالث: أسباب عدم مشاركة الدعوة السلفية في الفاعليات السياسية قبل الثورة.

المبحث الرابع: لماذا تغير موقف الدعوة السلفية من الممارسة السياسية بعد الثورة؟

الفصل الثاني: التيارات الإسلامية المعاصرة ومناهج التغيير

المبحث الأول: من يتبنى التغيير من خلال المنهج السياسي البرلماني.

المبحث الثاني: من يتبنى التغيير من خلال المواجهات المسلحة.

المبحث الثالث: من يتبنى التغيير من خلال المنهج التثويري الصدامي.

المبحث الرابع: من يتبنى التغيير من خلال المنهج الفردي.

ونسأله عز وجل أن يهدينا جميعاً إلى ما اختلفوا فيه من الحق بإذنه.


[1] منهج الاستدلال هي القضية التي توضح لنا الاختلاف بين المسلمين في قضية فهم الإسلام وتطبيقه، وهي التي يتفرع عنها الفرق بين المنهج السلفي وغيره من المناهج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

زر الذهاب إلى الأعلى