مقالات

دكتور خيري وهيب يكتب.. سعد الدين الهلالي وفتاويه الشاذة المتطرفة

القُــرَّاء الكِـرام .. ذوي الإنعـــام

معلومٌ لديكم أنَّ تتبع الرخص معناه أن يأخذَ المكلَّفُ بالأسهلِ حيث وُجد وفي أيِّ المذاهب كان، من غير نظر إلى الدليل،

بل اتباعاً للهوى واختياراً بمجرد التشهي،

وهذا ولا شك أمرٌ مذموم،

لأنه يؤدي إلى انخلاع رِبْقةِ التكاليف وانحلال عُقْدة الدين،

ولذا قال فيه السلف: من تتبع رخصة كل عالم فقد جَمَعَ الشرَّ كُلَّهُ.

منع كثير من أهل العلم تتبع الرخص مطلقاً.

وإليه ذهب ابن حزم، والغزالي، والنووي، والسبكي، وابن القيم، والشاطبي.

ونقل ابن حزم وابن عبد البر الإجماع على ذلك.

واختلف أصحاب هذا القول في تفسيق متتبع الرخص على رأيين:

الأول: أنه يفسق، وهو رواية عن أحمد اختارها ابن القيم وغيره، وهو رأي أبي إسحاق المروزي من الشافعية.

وخصّ القاضي أبو يعلى التفسيق بالمجتهد الذي أخذ بها خلافاً لما توصّل إليه اجتهاده، وبالعامي الذي أخذ بها دون تقليد.

الثاني: أنه لا يفسق، وهو رواية أخرى عن أحمد.

وقال بها ابنُ أبي هريرةَ من الشافعية .

إخـْـوانـي:

إنَّ من المغالطات والأخطاء أن نقوم بتقرير فرع فاسد ونبنيه على أصل صحيح،

وكون المرء يأخذ برخصة إمام من الأئمة خالف فيها الدَّليل الصَّحيح لأسباب وأمور لا يُلامُ عليها ومعذور فيها؛ بحجَّة القاعدة الكبرى وهي التَّيسير ورفعُ المشقَّة والحرج؛

فلا جرم أنَّ هذا منهجٌ مخالفٌ لأصول الدِّين، ويوصِّلنا إلى منهج يعارضُ مقاصدَ الشَّريعة وانضباطَها،

ولهذا نجد أنَّ العلماءَ المحقِّقين قد سَدُّوا هذا البابَ وحرَّموه؛ حفاظًا على الشريعة، يقول ابنُ مفلح: (ت: 762): «يَحْرُمُ التَّساهلُ في الفتيا، واستفتاء من عُرف بذلك».

ويقولُ ابنُ القَيِّم (ت: 751): “الرَّأيُ الباطلُ أنواعٌ: أحدُها: الرَّأيُ المخالفُ للنَّصِّ، وهذا مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام فسادُه وبطلانُه، ولا تحلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَنْ وَقَعَ بنوع تأويل وتقليد” .

ويتَّضح هذا الأمرُ في الواقع اليوم؛ حيث إنَّ بعضَهم قد يحتجُّ ببعض أقوال العلماء وآرائهم المخالفة للنُّصوص الشَّرعيَّة، ويَحْتَجُّ بأنَّه قول أو رأي لفلان من الأئمة،

وهذا أمر خطير، ويجب الحذر منه؛

لأنَّ هذا القولَ مخالفٌ للأدلَّة الشَّرعيَّة التي أُمر العبد المخلوق من خالقه باتِّباعها، وأُخذ عليها العهدُ والميثاقُ والتَّرهيبُ والتَّرغيبُ؛ فكيف يخالفها ويأخذ غيرَها من أقوال البشر وآرائهم؟!

وإذا كان هذا الرَّأيُ أو القولُ يُعَدُّ زَلَّةً لهذا العالِم أو الإمام فكيف يَحْتَجُّ به؟!

إذ لا أُسْوةَ في الشَّرِّ؛ كما قاله ابنُ مسعود- رضي الله عنه؛ فالعصمةُ لم تُكتبْ لهم، وإن كانوا من خيرة الناس وأزكاهم.

قال العزُّ بنُ عبد السَّلام (ت: 660 هـ): «ومن العجب العجيب أنَّ الفقهاءَ المقلِّدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعًا، ومع هذا يقلِّده فيه، ويترك من الكتاب والسُّنَّة والأقيسة الصَّحيحة لمذهبه جمودًا على تقليد إمامه؛

بل يتحلَّل لدفع ظواهر الكتاب والسُّنَّة، ويتأَوَّلُهما بالتَّأويلات البعيدة الباطلة؛ نضالاً عن مقلَّده».

ومن المؤلم– في هذا الزَّمن خصوصًا– أن نرى كثيرًا من أصحاب التَّساهل والتَّيسير المزعوم يقعون في محظورات وأخطاء جسيمة؛

فهاهم اليومَ يريدون تطويعَ الفتوى بحجَّة مسايرة الواقع ومواكبة تغيُّرات العصر،

وها هم ينادون بتغيُّر الفقه الإسلاميّ؛ من أجل أن يكون فقهُ التَّيسير والوسطيَّة حسب أهوائهم ومصالحهم؛

كل هذا من أجل نصرة هذا المنهج المتساهل،

ويا ليتهم يُفيقون ويشاهدون آثارَه ونتائجَه؛

حيث أوصل هذا المنهج كثيرًا منهم إلى القول بالأقوال الغريبة والآراء الشَّاذَّة؛

حتَّى ميَّعوا الدِّين واستطال الجُهَّال عليه، وعطَّلوا بعضَ الحدود والأحاديث،

وأصبحنا نرى فتاوى يستنكرها العوامُّ أصحابُ الفطر السَّليمة؛ فكيف بأهل العلم؟!

فهذا يرى جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة!

وذلك يرى أنَّه لا ينبغي إقامة حدّ الرِّدَّة على المرتدِّ في هذا الوقت!

وثالث يرى إباحةَ الغناء!

ويأتي مَنْ يزعم أنَّ ديةَ الرجل تساوي ديةَ المرأة في هذا الزَّمن!

وخامس يفتي بجواز إنشاء بنوك حليب للأمهات استنادًا إلى قولٍ عن أبي ثور ولا يثبت،

وآخر يرى جواز مصافحة المرأة الأجنبية للرجال وتقبيلها ضاربًا بالأحاديث الصريحة عرض الحائط.

 ويأتي في مقابلهم من يغلو فيرخص بقتل الكافر لمجرد وجوده بجزيرة العرب؛ اتِّباعًا لهواه ومنهجه !!!!!!! .

وهكذا في سلسلة أقوال شاذَّة وآراء فجَّة يمسك المتعالم لها روايةً ضعيفةً، أو خلافًا شاذًّا، أو فهمًا بعيدًا؛

فيبني عليه فتوى مجلَّلة بحُلَلِ البيان وفصيح الكلام؛ لكنَّها عَرِيَّةٌ عن الدَّليل والبرهان ! .

ولقد ابتلينا بمثل د/ سعد الدين الهلالي الذي يتتبع رُخَصَ كلِّ مذهب، ويأخذ بالشاذ من كل قولٍ…

ويُـعْـمِـلُ حرفيـاً قاعـدة : لا إنكار في مسائل الخلاف ، والذي أوضح أهل العلم أنه لا يؤخذ بها هكذا بإطلاق .

وقد شاهدت للدكتور الهلالي كثيراً من المقاطع على يوتيوب فهالني الأمر وصدمني وأفزعني جداً ..

حيث يتتبع المذكور رخصة وزلة كل عالم في كل المسائل فأباح تربية الكلاب في البيوت ومصافحة النساء ……. إلخ وأشياء لا يصدق عقلك أنه أجازها ؛ حيث يأخذ بأشذِّ الأقوال دائماً والعياذ بالله …

فأحببت أن أنوه أن هؤلاء لم يفهموا القاعدة على وجهها الصحيح في ضوء مقاصد وروح الشريعة، وربَّما كانتْ لهم مآربُ أخرى، وأغراض فاسدة ،

عياذاً بالله تعالـﮯ من ذلك ! .

ولولا أني وجدت طائفة كبيرة متأثرة بمنهجه لما تكلمت في ذلك …. ولتحاشيتُ ذكرَ اسمِهِ ..

لكن للضرورة أحكام كما يقولون .

وفي آخر المطاف لا تعجب أن تسمعَ مَن يقول لأحد اللِّجان الوضعيَّة في إحدى البلدان الإسلامية:

«ضعوا من الموادِّ ما يبدو لكم أنَّه موافقٌ للزَّمان والمكان، وأنا لا يُـعْـوِزُنِي بعد ذلك أن آتيكم بنصٍّ من المذاهب الإسلامية يطابق ما وضعتم» !!!!!!!.

يااااا لَـلْـهـَــوْل

إن من يسمع لمثل هذه الفتاوى أو يقرؤها يتبادر إلى ذهنه أسئلةٌ محيِّرةٌ وهي: كيف وصل الأمر إلى ذلك؟

وهل يجوز لهذا المفتي أو غيره من المفتين الإفتاءُ في دين الله بالتَّشَهِّي والتَّخيُّر؟

وهل يجوز البحث عن الأقوال التي توافق غرضَ المفتي وهواه أو غرض من يحابيه فيفتي به ويحكم به؟!

يُجيب عن ذلك الإمامُ ابن القيِّم (ت: 751) بقوله:

«هذا من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر، والله المستعان».

__ وهذا الإمامُ الشَّاطبيُّ (ت: 790) ينقل في (موافقاته) كلامًا جميلاً لأبي وليد الباجي (ت: 494)؛ حيث يقول:

«… لا خلاف بين المسلمين ممَّن يعتد به في الإجماع أنَّه لا يجوز ولا يسوغ ولا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا بالحقِّ الذي يعتقد أنَّه حقٌّ؛ رضي بذلك من رضيه، وسخطه من سخطه؛

وإنَّما المفتي مخبرٌ عن الله– تعالى– في حكمه؛

فكيف يخبر عنه إلَّا بما يعتقد أنَّه حكم به وأوجبه؟

والله– تعالى– يقول لنبيِّه– عليه الصلاة والسلام: }وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ{ [المائدة: 49]».

ونظرًا لأهميَّة هذه المسألة فقد عَدَّ بعض العلماء– كابن السَّمعانيّ (ت: 489)– الكفَّ عن التَّرخيص والتَّساهل شرطًا من شروط المفتي؛

حيث يقول: «المفتي من استكمل فيه ثلاثة شرائط: الاجتهاد، والعدالة، والكفّ عن التّرخيص والتّساهل.

وللمتساهل حالتان؛

إحداهما: أن يتساهل في طلب الأدلَّة وطرق الأحكام ويأخذ بمبادئ النَّظر وأوائل الفكر؛ فهذا مُقَصِّرٌ في حقِّ الاجتهاد، ولا يحلُّ له أن يُفتي، ولا يجوز أن يُستفتى.

والثانيةُ: أن يتساهل في طلب الرُّخَص وتَأَوُّل الشُّبَه، فهذا متجوِّزٌ في دينه، وهو آثَـمُ من الأَوَّل».

وأختم بهذه الرواية الرائعة البديعة التي تلخص لك المسألة برمَّتها، وهي :-

ما رواه الإمام البيهقيّ بإسناده عن إسماعيل القاضي يقول:

«دخلتُ على المعتضد بالله فدَفَع إليَّ كتابًا، فنظرت فيه فإذا قد جمع له من الرُّخَص من زَلَل العلماء، وما احتجَّ به كلُّ واحد منهم،

فقلت: مصنِّفُ هذا زنديقٌ.

فقال: ألم تصحَّ هذه الأحاديث؟

قلت: الأحاديث على ما رُوِيَـتْ،

ولكن مَن أباح المسكر– النبيذ– لم يبح المتعةَ،

ومن أباح المتعةَ لم يبح المسكر،

وما من عالم إلا وله زلة،

ومن أخذ بكلِّ زلل العلماء ذهب دينه.

فأمر المعتضدُ بإحراق ذلك الكتاب».

والله من وراء القصد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى