تقارير

رحلة مع الباحث عـن الحق.. حوار مع الأستاذ خالد الزعفراني حاوره دكتور ناجح إبراهيم (2)

حوار قديم أجراه الدكتور ناجح إبراهيم مع الأستاذ خالد الزعفراني رحمه الله، فأردنا نشره مرة أخرى لعموم الفائدة.

حاوره وقدم له د/ناجح إبراهيم

دكتور ناجح إبراهيم

كان الحاج خليل الزعفراني عم الشيخ خالد الزعفراني كلما سأله أين أنت يا بني؟ ولماذا لا نراك؟.

كان يقول له: يا عمي أنا أبحث عن الحق.. هذه الكلمات البسيطة تلخص حياة الشيخ خالد الزعفراني الطويلة في الحركة الإسلامية.. فقد كان في شبابه طاقة متجددة في العمل للإسلام لا تكل ولا تمل.. ولا تخشى في الله لومة لائم.

وهكذا امتدت رحلته في العمل الإسلامي.. وضحى فيها بكل ما يملك حتى أضحى فقيراً بعد أن كان من أوائل أبناء الحركة الإسلامية المؤهلين للغنى واليسار.. حيث كان من أوائل من طبعوا الكتب الإسلامية وكانت له دار نشر صغيرة هي (دار القادسية للنشر) منذ أواخر السبعينات.. وأشباهه ومن بدئوا معه في مثل هذه النشاطات الاقتصادية أصبحوا من أثرى الأثرياء.

لقد كان من نتائج اهتمامه بالدعوة الإسلامية و العمل الإسلامي وتحديه للدولة في كثيرا من الأحيان وتحدي الدولة له سواء حينما كان مع شكري مصطفى.. أو في الجماعة الإسلامية والإخوان.. أو حينما كان قياديا فعالا مع حزب العمل.. أو حينما ترشح عدة مرات لمجلس الشعب وتم تزوير نتائج تلك الانتخابات لصالح منافسيه.. وكل ذلك جعله اليوم فقيرا.. حتى أنه أضطر لبيع سيارته و وبعض ما يملك.. ليعيش حياة عادية كغيره من الناس.

واليوم وقد قارب على الستين من عمره لا يملك إلا نيته الصالحة ورغبته الصادقة في انتصار الفكرة الإسلامية.. وأمنيته الشديدة في ترشيد الصحوة الإسلامية نحو الأفضل والأصوب والأصلح والأنفع.

وفي هذه الحلقة نتابع مع ضيفنا بقية تجربته الثرية مع شكري مصطفى ورحلته معهم إلى سجن القلعة عام 1973.. حيث يعد الشيخ خالد الزعفراني من أوائل أبناء الحركة الإسلامية الذين اعتقلوا في السبعينات..كما يحكي لنا ضيفنا كيف تأثر في سجن القلعة بالشيخ محمد علي وهو من قدامى شيوخ الإخوان.. وكيف أنه لم يخجل أن يقول للشيخ محمد علي أمام الجميع “أنت صح و نحن على خطأ”.

وكيف أنه انتوى التخلص من شكري مصطفى نهائيا حتى يخلص مصر كلها من فكر التكفير.. ولكن الله صرفه عن هذه الفكرة.. وهذا يبين مدى شجاعته وإقدامه.

كما يحكي لنا ضيفنا قصة أول لقاء له في سجن القلعة عام 1973 بالمقدم فؤاد علام والمرحوم النقيب رءوف خيرت وقتها؟ وكيف استفزه الأخير مرارا ليخرج ما في باطنه.. وماذا كان يقول عنه كلما مر على زنزانته في القلعة؟

ولماذا لم يأمر شكري بضرب الشيخ خالد الزعفراني كما أمر بضرب غيره من الذين ردوا عليه؟

وما هي قصة دليل المواصلات التي كان شكري  يتندر بها على الزعفراني؟

كل ذلك وغيره تطالعه في هذا الجزء الهام من حوارنا الثري مع الشيخ خالد الزعفراني.. الذي لا يملك من حطام الدنيا إلا رجولته وشهامته ومصداقيته وتواضعه مع الدين والحياة والناس.. فإلى هناك..

نعود إلى شكري مصطفي.. فبعد خروجه من السجن و بدء انتشار دعوته انتشارا كبيرا.. ما السر في هذا الانتشار الكبير رغم قلة علم شكري مصطفى؟

بعد هزيمة إسرائيل على العرب عام 1948 كفر الناس في مصر بالحل الليبرالي ولجئوا إلى الحل الاشتراكي مع ثورة 23يوليو1952 فلما حدثت نكسة وفاجعة يونيه 1967 كفر الناس بالحل الاشتراكي.. وهما جناحا العلمانية.

فلم يعد أمام المسلمين في مصر بعد النكسة سوى الحل الإسلامي و اللجوء إلى الله.. و كان هناك زخم كبير في التوجه نحو الإسلام و الدين.

ورغم توجه الناس الكبير إلى الإسلام والدين إلا أن دعاة المسلمين وعلمائهم في هذا الوقت لم يملكوا رؤية وفكرة واضحة للوسطية الإسلامية الصحيحة لأن حكم عبد الناصر قتل الملكات عامة والإسلامية على وجه الخصوص.. وقتل المبادرة عند الإسلاميين خاصة والناس عامة.. فلم يعد هناك في مصر علماء ودعاة ومفكرين إسلاميين بارزين يستطيعون ترشيد هذه الصحوة وتوجيهها نحو الوجهة الصحيحة واستغلال طاقاتها الخلاقة الوليدة.

أما الإخوان في ذلك الوقت فكانوا في فترة أقرب إلي فترة النقاهة فلم يستعيدوا بعد لياقتهم الدعوية والتربوية.. ويخافون خيفة من الدعوة العلنية بعدما ذاقوه قريباً في السجون.. وبعضهم انشغل في ترميم حياته التي تهدمت من طول فترة السجن.

وبذا أصبح الجو مهيئاً لقبول دعوة ذلك الشاب النشيط المندفع الذي لا يهاب أحداً.

لقد انتشرت دعوة شكري في معظم أنحاء الجمهورية في سنوات قليلة جداً.. في الوقت الذي أحجم فيه الجميع عن الدعوة الصحيحة أو حتى الرد علي شكري وأفكاره.

لقد بلغ من نشاط شكري ومجموعته وجديته في دعوته رغم بطلانها أنه استطاع ضم أكبر مجموعة  كونها الإخوان بالإسكندرية.. وكان عددها 80 فرداً.. ضمهم بالكامل إليه وقتها.. وهذه المجموعة كانت في محرم بك والرصافة..

وللأسف كان لي دور في هذا الأمر.. ولكني عدت وصححت الأمر بعد أن شرفني الله بالتصدي لفكر شكري مصطفي في مصر كلها.

كيف ينتشر هذا الانتشار رغم أن دعوته الباطلة لا تستخدم المساجد ولا أسلوب الدعوة العامة وتكتفي بالدعوة الفردية ؟

لعل من رحمة الله أن فكر التكفير هو فكر انغلاقي يخاصم المساجد والدعوة العامة والعلنية.. وإلا لكان له شأن آخر وكانت المصيبة أكبر.. وسبحان الله في كل بدعة يكون فيها سر هدمها وانهيارها.. ومنها أن فكرة التكفير تعتبر مساجدنا هذه مساجد ضرار كما تعلم.

ما هي الروافد الفكرية لشكري مصطفي والتي جعلته يصل إلي فكر التكفير؟

شكري مصطفي كان قليل العلم جداً.. وقليل الخبرة بالحياة.. فهو انتقل من طالب بالجامعة إلي المعتقل مباشرة.. ولم يتعلم علي كتب السلف أو أي كتب لسبب بسيط أنه لم يتعلم شيئاً قبل المعتقل.. أما في المعتقل فقد كانت الكتب ممنوعة تماماً.. وهذه مشكلة متكررة في السجون السياسية دائماً وللأسف.

فلم يكن أمامه أحد يتعلم منه سوي الأستاذ محمد قطب ومجموعته وخاصة عندما  ذهبوا إلي زنازين شمال عندما رفضوا تأييد عبد الناصر قبل بداية حرب سنة 1967.. فتعلم شكري من هذه المجموعة فكر التكفير.. والمصيبة أنه عندما سمحوا بالكتب كان من أوائل الكتب التي سمحوا بها كتاب المحلي لابن حزم.. وهذا الكتاب كان له أسوأ الأثر علي عقلية شكري مصطفي.

وذلك لأن ابن حزم كان عنده أمرين خطيرين:

الأول: أنه ينكر القياس ويخالف كل فقهاء السلف والخلف في ذلك.. وإنكار القياس يعني جمود الشريعة.. وجمود العقل علي ظاهر النصوص.

الثاني: أن ابن حزم كانت عنده جرأة علي كبار الفقهاء والعلماء السلف.. وخاصة الأمام مالك بن أنس والمالكية.. وذلك لأن ابن حزم كان يعيش في الأندلس ويشتهر فيها مذهب الإمام مالك رحمة الله.

وبالفعل ازداد شكري جموداً فوق جمود بعد قراءته للمحلى.. وازداد صلفاً وغروراً وظن أنه عالم.. كما أن المحلى ربى فيه الجرأة علي علماء الأمة وفقهائها من السلف والخلف.. فلم يعد يعجبه أحد.

حتى أنه كان يشتمهم هكذا جهاراً نهاراً دون حياء أو مواربة.. وكان يسمى الحافظ العلامة المفسر العظيم ابن كثير.. كان يسميه ابن قليل.. وكان يكره النووي جداً بعدما سمع عنه وعن ردوده القوية على فكر الخوارج في كتابه العظيم شرح صحيح مسلم وخاصة في باب الإيمان منه.. وهو من أهم الأبواب التي تشتمل على رد شاف على الأفكار الأساسية في فكر التكفير.

هل يمكننا أن نستخلص من ذلك أن على شباب الحركة الإسلامية ألا يقرؤوا في أي كتاب يجدونه.. وأن هناك بدايات ونهايات؟

نعم والله.. هذه قضية مهمة جداً.. وأن يكون هناك ترتيب وتدرج في التعلم كشأن كل أمور الحياة.. وأنا لا أنصح بقراءة كتب ابن حزم عامة والمحلي خاصة إلا للفقهاء والعلماء الأثبات الذين ترسخت عقائدهم وأفكارهم الصحيحة.

ويقاس عليه كتب كثيرة قديمة وحديثه.. فلكل إنسان الكتاب المناسب له ولعقله وعلمه وعمره.. وأنا أنصح أي شاب بعدم قراءة أي كتاب يقدح في علماء السلف وفقهائهم.. ولا يقرأ كتب الشيعة.. ولا بد أن نعرف أن النهايات تختلف عن البدايات.. وهذا موضوع يطول شرحه.

كل من عاش مع شكري ويعرفه قالوا لي إن شكري كان قليل العلم جداً.. ومعدوم التجارب في الحياة.. فلماذا كان يهزم الآخرين في مناظراته الفكرية؟

مناظرة الناس وهزيمتهم في المناقشة استفادها شكري من كتاب المحلي.. وكذلك من أفكار من حوله حيث كانوا يهتمون بالفكر والنقاش والأمور الجدلية والأدبية والسياسية أكثر من الفقه وعقيدة أهل السنة الصحيحة.

كما أن المناظرات والمناقشات تحتاج لتمرين وتدريب.. وكان شكري لا عمل له ولا هم له سوى الجدال والنقاش.. فهو لا هو داعية يسوق الناس إلي الله.. ولا هو مربي يصلح القلوب والنفوس.. ولكنه مجادل مدرب علي الجدل.. وكلما مرت الأيام كلما ازداد مهارة في المناظرات.

وفي الوقت نفسه الذين جاءوا ليناظروه لم يكونوا مستعدين لذلك.. ولم يدرسوا فكر الخوارج جيداً.. ولم تكن عندهم ثقة بأنفسهم.

أما شكري فقد كان يكتسب في كل يوم ثقة جديدة في نفسه.. وكان يرهب من يناقشه فكريا.. ويقول له في البداية: عندي مئة دليل علي هذه المسألة (ليرهب من أمامه).. وفي الحقيقة تكون عدة أدلة قليلة وكلها في غير موطن الاستدلال.

كما أن شكري كان يعمل عقد أشبه بعقد الرياضيات.

مثل استدلاله بقول الله تعالي “والكافرون هم الظالمون”.. فيقول لمن يحاوره: إذا كل كافر ظالم.. وكل ظالم كافر.. اتفقنا علي هذه القاعدة.. فيقول الذي أمامه ببساطة وسذاجة: نعم.. مع أن هذه القاعدة باطلة.. حتى أن ابن عباس قال “الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون” ولم يقل “والظالمون هم الكافرون”.

ولذلك فإن من ذكاء وفطنة سيدنا علي قوله لابن عباس حينما أرسله ليحاج ويناظر الخوارج: “لا تجادلهم بالقرآن فإنه حمال ألوية.. ولكن جادلهم بالسنن..” وفعلاً نجح ابن عباس في ذلك نجاحاً باهراً عندما عمل بهذه الوصية العظيمة.

المشكلة الكبرى أن الذين كانوا يستطيعون الرد علي شكري وقتها كانوا مغيبين عن الدعوة أو خائفين من الانخراط  فيها لظروفهم الصعبة .

لماذا لم ينجح دعاة الإخوان في الرد على شكري وفكره.. بل أستقطب كثيرا من شبابهم في ذلك الوقت؟

كل من رد علي شكري بردود فكرية لم ينجح في الرد عليه.. ولكن الذي نجح في الرد عليه هو الذي رد عليه بردود من السلف الصالح وعلمهم وفقههم في الكتاب والسنة والسيرة.

ما معني ذلك ؟

الردود عامة وكانت تضع بعض القواعد التي تتشابه مع فكر شكري.. وكانت كلها في مضمونها العام متشابهة.. فهم يقولون مثلاً أن النظام بعيد عن الإسلام وهو نظام اشتراكي وكفري.. وهو نفس كلام شكري.. ولكن الفرق بينهما أن شكري يبني علي هذا الكلام أحكاماً مثل: تكفير الحكام وأعوانهم والشرطة والجيش والحكومة والبرلمان ثم الناس جميعاً.

كنت في جماعة التكفير مع شكري فترة بسيطة جداً.. ثم أصبحت من أكثر وأشد المحاربين لفكرها.. حتى أن شكري مصطفي أعطى أمراً بعدم مناقشتك أبداً.. ما الذي شفاك ونجاك من هذا الفكر الانغلاقي التدميري؟

لم أشف من بدعة التكفير إلا بالإخلاص والتجرد لله ثم بالقراءة في كتب السلف الصالح.. فقد أعطاني صديق لي اسمه إسماعيل طنطاوي كتاب الإيمان “لابن تيمية”.. وقرأت فيه 12 صفحة فقط.. بعدها ألقى الله في قلبي اليقين بما لا يدع مجالاً للشك أن شكري من الخوارج.

وكذلك لك قصة مع مجموعة شكري في سجن القلعة تبين لي وصولك أيضاً إلي هذه النقطة.. ما هي هذه القصة؟

لقد دخلت سجن القلعة سنة 1973.. ودخلته معي مجموعة شكري كلها ما عدا هو وأفراد قلائل معه.. ثم لحق بنا بعد ذلك بعد القبض عليه.

فجاءت إدارة السجن وقتها بشيخ كان من الإخوان أسمر اللون اسمه الأستاذ/ محمد علي.. وتناقش معنا في القضايا التي نثيرها.. وحضر النقاش وقتها اللواء/ فؤاد علام وكان برتبة المقدم.. والمرحوم/ رؤوف خيرت وكان برتبة النقيب.. وضابط آخر لا أذكره.

وتكلم الأستاذ محمد علي كلاماً ممتازاً في التفريق بين الكفرين الأكبر والأصغر.. والفسقين الأكبر والأصغر.. والظلمين الأكبر والأصغر.. وأوضح الفرق بين الكافر والظالم والفاسق.

وأنا كنت أبحث عن الحق ولا يهمني أي شيء سواه.. وأعجبني كلام الأستاذ محمد علي جداً وحل عندي إشكاليات شرعية كثيرة كانت ملتبسة عليّ.. وعندها قلت للأستاذ/ محمد علي “أنت معاك الحق ونحن على خطأ” وأشهد أنني استفدت من جلسات هذا الشيخ كثيراً جداً.

وأنا قلت ذلك صادقاً لأنني لم أكن أخاف إلا الله حتى أنني قلت يومها للواء فؤاد علام قبل هذا اللقاء كلاماً شديداً جداً.

ومجموعة شكري كانت تعلم أنه لا يهمني أحد وكانوا يعرفون شجاعتي وكانوا يحترمونني جداً.. ويعرفون أنني مخلص للحق ويعرفون أنني تحملت عنهم من قبل مصائب كثيرة.. وكنت أحل لهم مشاكلهم الصعبة.

والغريب أن كل الإخوة المعتقلين معي سعدوا بكلمتي.. ولكن شكري لم يكن قد قبض عليه وقتها.

وماذا حدث بينك وبين المرحوم رءوف خيرت وقتها ؟

حدث شيء غريب جداً منه.. إذ قال لي هو والضابط الآخر بعد مدحي لكلام الأستاذ محمد علي: يا خالد أنت كافر يا خالد! وكررها ثلاث مرات ليستفزني وعلمت بعد ذلك أنه يريد معرفة فكري الحقيقي ويستخرجه بصورة طبيعية.. وكان في كل مرة ينتظر ردي عليه- بأن أقول له أنت اللي كافر- ولكني سكت ولم أرد.. حيث لم أكن أعتقد في نفسي صحة وصواب فكرة التكفير..

فقال لي: أنت فكرك موش مع هذه المجموعة!

فقلت له: أنا أبحث عن الحق ..

فقال له اللواء/ فؤاد علام: يا رءوف خالد موش بيكفر حد بس هو عنيف في الكلام.

ماذا كان شعورك في السجن وقتها ؟

أنا كنت سعيد جداً بأنني دخلت السجن.. وشعرت أن الله قدر لي هذا السجن كي أبحث عن الحق وأتيقن يقيناً لا شك فيه ببطلان دعوة شكري مصطفي.. وأنه نفس كلام الخوارج.. وكنت أريد أن تطول فترة السجن وكنت قلق من أن يفرجوا عنا بسرعة.

وكان معي في هذه الفترة الدكتور/ صلاح الصاوي وكان متضايقاً جداً من السجن.. وكان يقول لي لماذا تشعر بكل هذه السعادة وأنت في السجن؟!!.. ويعجب لذلك أشد العجب.. ولكني اعتبرت هذه الفترة هدية السماء لي.. حتى كان الجميع يستغرب لفرحي بالبقاء في السجن.

وفي هذه الفترة لم يسمح لنا إلا بالمصحف فبدأت أتأمل الآيات التي يحتج بها شكري تأملاً جديداً وعميقاً مما زاد قناعتي بأن كلامه باطل وأنه يماثل فكر الخوارج تماماً.. حتى أن والدي ووالدتي كانوا في شدة القلق عليّ بعد سجني لما كانوا يسمعونه عن التعذيب في سجون الستينات.. فلما جاءا لزيارتي وجداني في منتهي الفرحة والسعادة ففوجئوا بذلك وسعدوا له واطمأنوا عليّ.

ومن الطريف أنني رأيت رؤيا وأنا في السجن أنني سـأواجه شكري وفكره مواجهة شديدة ومعي شخص اسمه قطب وآخر اسمه هاشم.. وفعلاً تحققت الرؤيا.. وخرج الاثنان عن فكر شكري.. وساعداني في محاربته.

ومن الطرائف أيضا أن طبيب السجن كان قبطي وكان يصر على أن يفتح باب زنزانتي بنفسه ولم يكن يفعل ذلك مع بقية الزنازين.. بل إن التومرجي كان ينادي فقط على من يحتاج لدواء.. وكان يقول لي إن وجهك منور.. وكان يلبي لي أي طلب فمثلا جعلني كل يوم أفطر عسل نحل.. وجاءني مرة هو والنقيب رءوف خيرت وفتح علي الزنزانة وسلما علي.. وبعدما أغلقا الزنزانة سمعتهما يقولا إن نورا غريبا يخرج من وجهه.. وبعدها كان  يأتيني النقيب رءوف خيرت ويطلب مني أن أدعو له.   

ما هي نقاط القوة التي كانت في جماعة شكري؟

جماعته كانت هشة جداً.. وأي فكرة تكون بعيدة عن منهاج الإسلام ووسطيته واعتداله وتعمد إلي البدع تكون هشة.

وهذه والله شبه قاعدة مطردة.. وأنا فكرت في هذا السؤال وقتها وخلصت أن نقاط القوة تتمثل في أمرين هما:-

1- شخصية شكري نفسها.. لأنه كان شاباً ونشيطاً ومندفعاً.. وقد فكرت وقتها في التخلص منه وإزاحته تماماً من الحياة حتى يستريح الناس من هذا الفكر.. وكنت في شبابي شجاعاً جداً إلي أبعد حد وكان شكري يعرف ذلك عني.. ولكني استبعدت هذه الفكرة.. وأكرمني الله بخلاصي من هذه الفكرة وذهابها من رأسي تماماً.

2- كشكول شكري:-

وكان يمثل وحده فكرهم دون أي كتب أخرى فهو يختلف عن أي جماعة إسلامية أخرى على وجه الأرض.. إذ أنه كان يمنع أصحابه من قراءة كتب السلف والخلف.. ويدعوهم إلى الانغلاق علي أنفسهم وكشاكيله فقط.

وأنا ذهبت للشيخ علي إسماعيل في الإسكندرية وطلبت منه الرد علي أفكار شكري.. فأعطاني كراسة تحتوي رداً كاملاً عليه.. وقال لي: خلي بالك شكري يمكن أن يسرقها منك لو عرف بأمرها.. وفعلاً تحقق ما قال فقد اختفت وسرقت فعلاً.

وقد تنبأ الشيخ/ علي إسماعيل أنني سأصل إلي اليقين الصحيح في هذا الفكر.. وتنبأ كذلك بأنني سأرد علي شكري وأفند حججه.

بعد خروجك من فكر وجماعة شكري ماذا كان شعورك ؟

لقد كان لدي شعور جارف بأنني المسئول الوحيد في مصر كلها للرد علي شكري.. وأن هذه هي مسؤوليتي أمام الله.. ولا يمكنني أقصر فيها.. وكان حالي ساعتها أفضل من الآن بكثير.. كان الإخلاص عظيماً والرغبة كبيرة في خدمة الإسلام وكذلك الرغبة في الجنة.

لقد كانت عندي طاقات كبيرة جداً وأنا شاب وأنا اليوم افتقد هذه الطاقات.. وأنا اليوم أتذكر أنني كنت أجوب كل معسكرات الجماعة الإسلامية في الإسكندرية والصعيد والقاهرة وفي مصر كلها للرد علي فكر التكفير.. وأسأل الله أن يأجرني علي ذلك..

لقد سخرت نفسي تسخيراً كاملاً لكي أعصم الشباب من هذا الفكر.. والحمد لله نجحت الجماعة الإسلامية بكل طوائفها في الإسكندرية والقاهرة والصعيد في محاصرة فكر التكفير تماماً.

هل كانت هناك بلبلة لدي الناس.. وحتى الدعاة حول هذا الفكر في البداية؟

نعم كانت هناك بلبلة كبيرة جداً جداً.. والدليل علي ذلك أن شكري حينما جاء إلي الإسكندرية لمناظرة بعض شيوخ الإسكندرية ظهر أن شكري هزمهم في المناقشة أمام كل الحاضرين.. حتى قال ابن عمي د/ إبراهيم الزعفراني وقتها “إن شكري علي الحق.. وواضح.. وهو الصح وظل يشكر فيه وأنا صامت لا أتكلم.. فقال لي: لماذا لا تتكلم.. قلت له: اعلم أن شكري يناقش بالباطل.. لا تتعجل فشكري كلامه باطل في باطل..”.

وكذلك الشيخ عبد الله السماوي وهو عموماً فكره متلخبط دائماً وباستمرار والله أعلم بعلة ذلك.. وقد قابلني في السبعينات وقال لي: شكري علي الحق.. وأنا سأذهب إليه لأبايعه.. فقلت له: شكري علي باطل.. وتعال نقرأ في كتاب الإيمان لابن تيمية سوياً لتتأكد من ذلك.. فمكثنا عدة أيام نقرأ في هذا الكتاب حتى تأكد السماوي من أن فكر شكري باطل.. وعدل عن فكرة مبايعته.

وكذلك دخول الدكتور/ صلاح الصاوي مع شكري في البداية رغم أنه كان طالباً متفوقاً بالأزهر.. وكذلك الدكتور/ محمود حماية “رحمه الله” الذي أصبح بعد ذلك رئيساً لقسم الدعوة بالأزهر.. وكان وقتها معيداًً بكلية أصول الدين.. وكلاهما ترك شكري وفكره مبكراً.. كل ذلك يبين قدر البلبلة التي حدثت في السبعينات.

ولكن لماذا ظهر أمام الناس أن شكري هزم عددا من المشايخ بالمناظرة.. مع أن شكري أضعف منهم في كل شيء؟

السبب هو أنهم لم يحسموا للناس أن شكري خوارج ولعدم إعدادهم لهذه المناظرة واستهانة بعضهم به.. والعالم الحقيقي لا يستهين بالخصم مهما كان ضعفه.

وما نتائج هذه الهزيمة؟

كان من نتيجة ذلك دخول عدد كبير إلي التكفير.. حتى أن مجموعة شباب كبيرة للإخوان في الإسكندرية وكان عددها 80 فرداً في محرم بك دخلوا التكفير.. وكانت هذه خسارة كبيرة جداً.

ألم تلاحظ أن كثيراً من الذين دخلوا التكفير ورجعوا عنه.. توجهوا بقوة إلي الفكر السلفي وأصبحوا من دعاته وخاصة في القاهرة؟ وما السر في ذلك؟

نعم هذا كلام صحيح.. وذلك لأنهم وجدوا أن الكلام الفكري والحركي والسياسي العام لم يغنهم في الرد على التكفير.. ولم يعصمهم من الوقوع فيه بل أوصلهم لمخالفات للعقائد الصحيحة لأهل السنة والجماعة.. وأبعدهم في أحيان كثيرة عن صحيح الدين.. وأن كتب السلف وعلمهم وفقههم وضوابطهم الشرعية هي التي كانت سبباً رئيسياً من شفائهم من فكر التكفير.. فتوجهوا بقوة إليه.. وقالوا لأنفسهم: لا خلاص لنا من الفتن إلا بالفكر السلفي.

وفي الإسكندرية كان فكر القطبيين منتشر.. وكانت هذه مشكلة كبيرة واجهت شباب الجماعة الإسلامية الذي رأى أن الإخوان لا يقدمون له سوى الفكر الحركي والسياسي فقط.. فبدأ هؤلاء الشباب يرجع لفكر السلف هروباً من كل هذه الفتن وتأميناً لنفسه.. حيث لم يجد الأمان ولا الاطمئنان ولا السكينة إلا في كتب السلف الصالح.. وهي التي كانت كطوق النجاة من كل طوفان الأفكار المختلفة التي تحمل فكر التكفير.

ومن هنا بزغ نجم السلفية بالإسكندرية.. و أصبحت الجماعة الإسلامية تدرس كتب السلف وتنشره بجميع أنحاء الجمهورية.. و ذهبت أنا وحامد الدفراوي للمكتبة السلفية بالقاهرة التي يملكها قصي الدين الخطيب رحمه الله وأخذنا منه كل نسخ كتاب معارج القبول وعدد آخر من الكتب السلفية.

ثم جاءت فكرة الانضمام للإخوان والتي سنفصلها في موضع أخر فاشترطنا جميعا على الإخوان الأخذ بفكر السلف ووعدنا بذلك الأستاذ مصطفى مشهور فانضممنا جميعا للإخوان.

ولكن وجد البعض منا أن الإخوان لم يلتزموا بمنهج السلف كاملا حسب رأيهم وكان منهم (د/ محمد إسماعيل ود/ احمد فريد ود/ سعيد عبد العظيم ود/حامد الزعفراني ابن عمي و آخرين) فتركوا الإخوان.. وتكونت المدرسة السلفية الحالية الشهيرة بالإسكندرية.

وهكذا تحولت الجماعة الإسلامية بالإسكندرية في نهاية السبعينات هذا التحول الدراماتيكي.. فقسم منها أصبح المدرسة السلفية ومن أهم شيوخها د/ محمد إسماعيل، ود/ سعيد عبد العظيم، د/ أحمد فريد.

وقسم منها أصبح في الإخوان ومنهم: (ا/ محمد حسين عيسى “الداعية المعروف بالإسكندرية”.. وم/ حامد الدفراوي.. وم/ خالد داوود.. ود/ إبراهيم الزعفراني ابن عمي.. وأنا) وآخرين.. رغم ميولنا جميعاً وقتها إلي كتب السلف.. وهؤلاء كانوا أبرز القادة الجدد للإخوان في الإسكندرية.

بعد الردود المختلفة علي شكري.. ماذا حدث لجماعته؟

بدأت جماعته في الانهيار السريع.. وذلك بعد خروج عدد كبير منها.. وقمت بالرد عليه في كل معسكرات الجماعة الإسلامية بلا استثناء.. وعموماً كل الجماعات التي فيها تكفير فيها ضعف شديد.

ثم قمت بكتابة رد عليه نشر في الأهرام في الصفحة التي كان يشرف عليها الأستاذ الفاضل / فهمي هويدي.

ما قصة هذا الرد؟

كنا في معسكر الجماعة الإسلامية في جامعة القاهرة.. وحضر فيه الأستاذ / فهمي هويدي.. وكان وقتها مشرفاً علي الصفحة الدينية بالأهرام.. فقلت للإخوة كيف يسمح الأستاذ/ هويدي بنشر ثلاثة مقالات للدكتور/ محمود حماية (وكان وقتها معيداً) يدعو فيها إلى فكر التكفير والخوارج.. فقال لي الأستاذ/ هويدي اكتب مقالا فيه رد على التكفير وأنا أنشره.. فكتبت مقالاً بعنوان “إنهم يرددون فكر الخوارج”.. ونزل فعلاً في الأهرام باسمي بتاريخ 15 أغسطس سنة 1975.

هل حاولت مناظرة شكري؟

لقد ذهبت لمناقشته عدة مرات ومناظرته.. ولكنه هرب مني.. لأنني ناقشت كثيرا من أتباعه وهزمتهم.. وقد قلت لشكري وفيلسوفه الذي ظهر أخيراً ماهر بكري بكل ثقة: كل قضاياكم باطلة.. وعندي آلاف الأدلة علي ذلك.. حتى أن شكري أصدر قراراً لكل أتباعه بعدم مناقشتي علي الإطلاق.

ومن الطريف أن ماهر بكري كان كل أمله أن أقول له أن هناك قضية صحيحة واحدة من قضياهم الإحدى عشر فقد كانت جماعة شكري معروفة بالإحدى عشر قضية ومنها على سبيل المثال: التوقف والتبين.. والتوسمات (أي أننا في آخر الزمان) والمسميات وغيرها من هذه القضايا المختلقة التي ما انزل الله بها من سلطان.. وقد قلت لبكري كل قضاياكم باطلة بلا استثناء.

هل تذكر شيئاً طريفاً من مناظراتك معهم؟

من الطريف أنني كنت أقول لأتباع شكري ضارباً لهم المثل الآتي في المناقشة:-

أمامك أتوبيسان ففحصتهما من ناحية المتانة والسلامة لتركب احدهما (وأقصد بها الأدلة الشرعية) فرجحت احد الأتوبيسين وعندما ركبته وجدت فيه الإمام مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم وأئمة علماء السلف.. و نظرت إلى الأتوبيس الأخر فوجدت فيه الخوارج والمعتزلة وشكري وأتباعه.. فحمدت الله على أن يسرني للهداية.

فكان شكري يمزح ويقول لأتباعه “خالد ما عندوش إلا دليل المواصلات”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى