المصدر: هآرتس
الكاتب: يحيعام فايتس
في سنة 2009، نجح بنيامين نتنياهو في تأليف حكومته الثانية. في تلك الفترة، عبّر عن رغبته الشديدة في تدمير القدرة النووية الإيرانية. كتب إيلان كفير في كتابه (“العاصفة في الطريق إلى إيران”، ص 64) التالي: “القنبلة الإيرانية تحوّلت لدى نتنياهو إلى هوس. لقد آمن إيماناً راسخاًبأنه إذا لم يتم تحييدها، فإن إسرائيل ستجد نفسها تحت تهديد وجودي حقيقي.” وأقسم كرئيسٍ لحكومة الشعب اليهودي “ألّا يسمح لإيران بالوصول إلى القنبلة، التي قد تؤدي إلى محرقة جديدة.”
لكن ثلاثة أشخاص حالوا دون تحقيق حلمه: رئيس الأركان غابي أشكنازي، ورئيس الموساد مئير داغان، ورئيس الشاباك يوفال ديسكين. هؤلاء قرّروا أنه لا يحقّ لنتنياهو، ولا لإيهود باراك، الذي شغل منصب وزير الدفاع آنذاك، أن يأمرا الجيش بالعمل ضد إيران، لأن “الكابينيت وحده الذي يمكنه اتخاذ قرار بشأن قصف إيران.” وقالوا لنتنياهو بوضوح قاطع: “سيدي رئيس الحكومة، هذا الأمر غير قانوني.”
لكن نتنياهو لم يتراجع، وعلى مدار سنوات، عبّر عن معارضته الشديدة لإيران النووية، مراراً وتكراراً. أحد الأمثلة الصارخة لذلك كان في آذار/مارس 2015، حين اتّخذ خطوة نادرة أثارت جدلاً واسعاً. ففي خطاب ألقاه أمام الكونغرس الأميركي، دعا نتنياهو أعضاء المجلس إلى عدم المصادقة على الاتفاق النووي مع إيران، واعتبر أن الاتفاق سيئ، وخطِر على سلام العالم، ويشكّل تهديداً وجودياً لإسرائيل. وقد أدى هذا الخطاب إلى مواجهة حادة مع رئيس الولايات المتحدة آنذاك، باراك أوباما.
بعد أكثر من 600 يوم على اندلاع حرب تشرين الأول/أكتوبر 2023 الملعونة، الدموية، والمليئة بسفك الدماء، قرر نتنياهو فتح حرب ضد إيران. طوال أكثر من عقد من الزمن، وهو يتحدث عن حرب وجودية ضد هذه الدولة، وها هو يفاجئ الجمهور الإسرائيلي ويُعلن شنّ حرب خاطفة. يمكن القول إنها حرب غير ضرورية، وقاتلة، وتفتقر إلى التعقّل والحكمة. لقد اندلعت بدافع شخصي – سياسي، وليس بناءً على اعتبارات وطنية-أمنية.
إليك بعض الأسباب التي تبرّر رفض الخروج إلى هذه الحرب
نتنياهو شنّ الحرب ضد إيران بهدف محو كارثة السابع من أكتوبر من الذاكرة الجماعية، وهي الكارثة التي أدّت إلى “المذبحة” والدمار الرهيبَين في الجنوب (وللسبب نفسه، لم يزُر الكيبوتسات المدمّرة، ولم يحضر الجنازات العديدة، سواء للجنود، أو للمدنيين). لقد اعتقد أن الجمهور الإسرائيلي سيفضّل التركيز على حرب خاطفة ضد إيران، بدلاً من الفظائع التي حدثت في بلدات غلاف غزة، والرهائن الذين ما زالوا يعانون في قطاع غزة. فالحرب التي لا تنتهي في القطاع وفتح الجبهة ضد إيران يقضيان على الأمل الأخير ببقاء أولئك الرهائن في قيد الحياة وعودتهم إلى ديارهم.
إن شنّ الحرب على إيران هو جزء من مسار بدأه نتنياهو: الجميع مذنبون في “مجزرة” 7 أكتوبر ومقتل أعضاء الكيبوتسات والجنود، ما عداه هو نفسه. ولتحقيق هذا المسار، عمل على إقالة وزير الأمن يوآف غالانت، وإقالة رئيس الأركان هرتسي هليفي ورئيس الشاباك رونين بار، كذلك رفض بشدة تشكيل لجنة تحقيق رسمية لفحص السؤال الجوهري: كيف أُتيح اقتحام بلدات الغلاف؟ كيف تم التعامل مع الهجوم؟ وكيف أدار القبطان، أي هو نفسه، الوضع؟ فعل نتنياهو كل ما في وسعه لإخراج مسألة لجنة التحقيق من جدول الأعمال العام والسياسي. وبعد أكثر من 600 يوم من الحرب في قطاع غزة، لم تناقش الحكومة مسألة فحص الحرب إطلاقاً.
يعتبر رئيس الحكومة نفسه نقياً وخالياً من الأخطاء (وربما يشعر بذلك فعلاً)، ولذلك، فهو يرى نفسه جديراً ومؤهلاً لإعلان فتح جبهة جديدة. فهو لا يرى نفسه رئيس حكومة فاشلاً، بل قائداً عسكرياً عظيماً قادراً على الانتصار على دولة عملاقة مثل إيران.
نتنياهو أيضاً غير قادر على إنهاء الحروب، فلا يبدو في الأفق أي نهاية للحرب التي اندلعت قبل أكثر من عام ونصف العام، في أكتوبر 2023. هذه الحرب أطول من حرب 1948. أمّا الحرب ضد إيران فقد تكون حرب استنزاف لا نهاية لها، وقد تؤدي إلى دمار اقتصادي واجتماعي شامل. الحكومة الحالية، التي تضم إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، غير قادرة على التوصل إلى تسوية سياسية يمكن أن تُنهي صراعاً عسكرياً. والآن، تخوض إسرائيل حربين في آنٍ معاً، وهذا الوضع قد يؤدي إلى كارثة مروّعة.
تمرّ إسرائيل بمسار من الانحدار أيضاً بسبب انغلاق نتنياهو. فرئيس الحكومة لا يشعر بأنه يعبث بمصير إسرائيل، وليس لديه مستشار ذو وزن يستطيع أن يقول له
الحقيقة كاملة. عليهأن يتعلّم من النهج الذي اتّبعه رئيس الحكومةخلال حرب الخليج، في يناير 1991، إسحاق شامير. كان شامير مستعداً لسماع كلّ شيء من مستشاريه، لأنه كان يتمتع بثقة بالنفس، أمّا نتنياهو، فلا يملك وعياً ذاتياً، ولا رؤية سياسية، وليس لديه ضمير.
آمل ألّا تؤدي الحرب ضد إيران إلى كارثة مروّعة.



