مقالات

محمد رضا شاهين يكتب.. 100 عام على ثورة “19” (1)

مثل كل أحداث مصر في العصر الحديث ,خاصة أحداث القرن العشرين بما فيها من ثورات وأحداث ,دائما يكون في كل حدث أراء ووجهات نظر ,وكلها يدور بين التهويل ,والتهوين ,وقليل من الإنصاف أو تصعيد أشخاص إلى عنان السماء وكأنه لم يكن وقتها غيرهم في مجرى الأحداث يحرك ويؤثر ويغير ,ومما لا شك فيه أن أحداث ثورة 19 تعد من الحركات الأكبر في تاريخ الحركات الوطنية المصرية ,ولكني أظن أنها كغيرها من الثورات في القرن ال20 أو ال21 كان هناك من تسلقوا عليها وركبوا الموجة ,وغيروا مجرى الأحداث لغير ما كانت عليه وغير ما كان يراد لها, وصعدت أسماء كثيرة علي سطح الأحداث ,لم يكن لها ذكر في بداية الأحداث ,وهذا هو حال معظم الأحداث العظام في مصر ,ودائما الخاسر الوحيد في كل هذه الأحداث وفي وسط هذه المؤامرات المواطن المصري الذي كان ومازال يعاني ,فقد خرجت هذه الثورة في ظل المعاناة الكبرى من نيران الاحتلال الإنجليزي والذي أذاق الشعب المصري كل المرار عبر سنوات الاحتلال منذ قدومه إلى مصر عام  1882 م, مروراً بمشاركة المصريين خلال الحرب العالمية الأولي ولكن بصفوف الألمان التي كانت الدولة العثمانية تحارب في صفوفهم, وبعد الهزيمة ازدادت الأحوال سوءاً ومن قبلها أحداث دنشواي ,كل هذه الأحداث وغيرها لا شك أنها كانت من أكبر الدوافع لقيام هذه الحركة الشعبية.

ولكن قبل الحديث عن الثورة وما آلت إليه, أحاول أن طرح بعض التساؤلات حول هذه الثورة العظيمة.

1.       ما هي الأسباب الحقيقية وراء هذه الثورة؟

2.       ما هو الدور الحقيقي لسعد زغلول باشا وحزب الوفد ومن هو البطل الحقيقي في هذه الأحداث؟

3.       ما هي النتائج التي توصل إليها الحراك الشعبي في عام 1919م؟

4.       ما هو دو أقباط مصر في هذه الثورة ومن هم أبرز الشخصيات القبطية المشاركين في الأحداث؟

وخلال هذه المقالات سنحاول الحديث عن أهم الأحداث التي أدت إلى قيام هذه الثورة ،وأهم أحداث الثورة ،ودور بعض الشخصيات الحقيقي في هذه الثورة ,وبعض التساؤلات المشروعة في حق هذه الشخصيات ,وما آلت إليه أحداث هذه الثورة, والأهم ما هي حقيقة زعامة سعد زغلول والوفد في هذه الثورة؟؟.

أهم الأحداث قبل الثورة والتي كانت سبب في غليان الشارع المصري قبل أحداث الثورة بعدة سنوات

لا شك أنه منذ دخول الإنجليز مصر ومع سياسة الاحتلال الصارمة ضد المصريين ,ظهرت مراحل كثيرة من الصراع نمت خلالها الحركة الوطنية في مصر ولكن بمرور الوقت بدأ ظهور طبقات داخل صفوف المصريين ,ما بين المتعاونيين مع الإنجليز الذي يرون أن الإنجليز في مهمة  عظيمة لمحاولة انتشال مصر والمصريين من سنوات التخلف التي عاشوها في ظل الاحتلال العثماني كما يدعون ,وما أكثر هؤلاء في تاريخ مصر الحديث والذين كانوا يوصفوا بالعمالة للإنجليز مثل أمين عثمان وعلي بيه شعراوي وعبدالعزيز فهمي باشا وغيرهم, وأنه يلزم علي المصريين معاونة الإنجليز في إنجاز مهمتهم حتى وإن لم يعلنوا ذلك بشكل مباشر, وكالتيار الليبرالي المصري وأراءه  التي لم تتغير في الحضارة الأوروبية رغم الحرب ودعمه للحلفاء في الحرب العالمية الأولى  كما قال طه حسين في صفحات مجلة ((السفور )) بأن الحرب تخلق الحضارة وأن الحرب الحاضرة تخلق حضارة التنافس, وبين بلاط السرايا والباشوات من أبناء أسرة محمد علي الذين كانوا لعبة في أيدي اللورد السامي البريطاني خاصة اللورد(( كرومر)) الذي طالت يده بالعبث كل مقدرات الشعب المصري ومن جاءوا من بعده سواء فيما يتولى وفيماً يحكم وفي الأحوال السياسية والاقتصادية والتعليمية داخل البلاد, وغالباً كانت الحظوة والسطوة لمن ينالوا رضى اللورد كرور كما أوضح هو في كتابة  modern Egypt  بعد إقالته نتيجة لأحداث دنشواي بعد أن قضى حوالي 25 عام يعيث في أرض مصر فسادا.

كما نحا حزب الأمة الممثل السياسي لهذا التيار الليبرالي سياسة المهادنة مع الاحتلال البريطاني ,وأراءهم في جريدة الجريدة ورئيس تحريرها يومئذ أحمد لطفي السيد.

وتولى أمر البلاد في تلك الفترة خديوي جديد هو(عباس حلمي الثاني) وكان طموحاً ليكون حاكما حقيقيا وليس أداة كوالده في يد الإنجليز.

  •       يقول الخديوي ((عباس حلمي الثاني)) في مذكراته ص55

(وبعد ارتقائي العرش, وجدت لدهشتي العميقة وبكثير من المرارة ,فخاخاً منصوبة لبلادي بدعوى المحافظة علي الأسرة الخديوية وعلى مصالح المصريين والأجانب في نفس الوقت, كما أعلنوا في لندن,,, وكان سوء النية صفة ثابتة لممثل إنجلترا في مصر ,وكان اللورد كرومر متضايقاً مما يسميه تدخلا في شؤون الدولة, فعند حضوري اعتقدت أنني سأقوم بتوجيه مصائر البلد المحتلة عسكرياً, ولم يكن في وسعي أن أتصور نفسي في هذا الاحتلال ,والجيش لا يلعب إلا دوراً من الدرجة الثانية, يقوم بمجرد تغطية مشروعات وعمليات الموظفين الإنجليز, المكلفين  بتشكيل البلاد على النمط البريطاني, ويوجهونها إلى مخططات حكومتهم.)

وكان هذا الشاب يختلف كثيرا عن سابقيه من الحكام من آبائه وأجداده فيقول عن جده إسماعيل ((وكان الشاغل الأول لإسماعيل هو تسوية حق وراثة العرش عن طريق مبدأ الوراثة المباشرة, والذي يشبه ما كان يحث في الأسر الملكية في أوروبا.).

وكان هذا  الخديوي الشاب من المعجبين أشد الإعجاب بالحركة الوطنية المصرية وقائد الحزب الوطني مصطفى كامل فيقول

  • ((وشاءت العناية التي تسهر على الشعوب كما تسهر على الرجال, أن ترسل لمصر باذر البذور المنتظر مصطفى كامل فهو الذي بدأ في نشر الفكرة الوطنية في شباب الدارسين المصريين في أوروبا, وعند عودته من فرنسا أحدث تغييراً وأحيا آمال الحزب البرلماني الذي كان قد اختفى مع اختفاء البرلمان, وكان هو المنشط للاتجاه الوطني المصري والمبشر بهذه الفكرة, التي كانت قد خنقت في بدايتها, لقد أيقظ مصطفى كامل المشاعر المصرية الأصيلة.))

 هذه التغيرات والتوجهات من قبل الخديوي أوجدت موجة جديدة من موجات الحركة الوطنية، بعثت الروح الوطنية، وشرعت تقاوم الاحتلال البريطاني وسياساته، بالكلمة والمحاضرة والصحافة، والدعوة إلى المغاضبة، والمقاطعة، وتشعل المظاهرات, وتؤلف الأحزاب السياسية التي تطالب الاحتلال وسلطاته بالجلاء وتطالب الخديوي بالدستور،،تقاوم علنا بهذه الأساليب ويقاوم بعض عناصرها سراً من خلال بعض التنظيمات والجمعيات السرية التي كانت تغتال وتحاول اغتيال بعض رجال الاحتلال والمتعاونين معهم من المصريين أحياناً.

البواعث الحقيقية وراء إشعال الثورة

1. الاتفاق الودي

كان من الصدمات الكبرى أمام الحركة الوطنية في مصر والمغرب ,هو إعلان ما يسمى بالوفاق الودي بين إنجلترا وفرنسا عام 1904,اعترف هذا الاتفاق في مادته الأولي‏,‏ بأن بريطانيا لن تعمل علي تغيير مركز مصر السياسي‏,‏ كما أعلنت فرنسا أنها لن تعرقل عمل بريطانيا في مصر‏,‏ حيث لا تطلب أجلا محددا لنهاية الاحتلال لمصر‏.‏

و جاء في المادة الثانية أن فرنسا لن تغير مركز المغرب السياسي‏,‏ وأنها تحافظ علي ما تتمتع به بريطانيا من حقوق في المغرب‏,‏ وأن انجلترا تعترف بحقوق ومصالح فرنسا في المغرب‏.‏

والسؤال ما هو أثر هذا الاتفاق علي الاحتلال في مصر وعلى الحركة الوطنية؟

من المعروف أن الصراع بين فرنسا وانجلترا استمر طويلا لحين هذا الاتفاق والذي أنهى التدخلات العسكرية بالنسبة للدولتين, ومن المعروف أن فرنسا كانت تساعد الحركة الوطنية في مصر وتفتح لها الندوات والمجالس النيابية كما فعلت مع مصطفى كامل نكاية في إنجلترا, وعلى النقيض كانت إنجلترا تدعم الحركة الوطنية في المغرب نكاية  في فرنسا.

وكان من آثار هذا الاتفاق  هو زيادة التعديات السافرة من الإنجليز ضد المصريين بعد أن أمنت جانب فرنسا في بسط زراعيها للوطنيين المصريين, فزادت إنجلترا من أعمالها الوحشية داخل البلاد فكانت حادثة دنشواي إحدى هذه التعديات, وقد سبقها عشرات التعديات راح ضحيتها آلاف المصريين .

2. أحداث دنشواي

تعد حادثة دنشواي في يونيه 1906 م آخر فظائع المعتمد البريطاني اللورد كرومر في مصر, و تتلخص الحادثة في أن بعض الضباط الإنجليز خرجوا لصيد الحمام بالقرب من قرية دنشواي إحدى قري المنوفية ، وكانوا يتحركون في كل أرجاء مصر كأنها بلادهم ولإظهار هيبتهم علي المصريين الضعاف, خاصة بعد الاتفاق الودي الذي تكلمنا عنه, فحذرهم الأهالي أن اقتراب البارود من أجران القمح يمكن أن يشعل حرائق كبيرة, و لكن الضباط الإنجليز لم يهتموا, فحدث أن أخطأت إحدى طلقات البنادق فأصابت امرأة  و قتلتها, فهاج الأهالي علي الضباط و طاردوهم، حتي أصيب أحد الإنجليز بضربة شمس و مات ,ولكن الإدارة البريطانية استغلت هذه الحادثة لإظهار قسوة شديدة ترهب الحركة الوطنية الصاعدة, فأحالت 52 فلاحاً للمحاكمة و انتهت المحاكمة إلي الحكم بشنق أربعة منهم و معاقبة 12 بالأشغال الشاقة المؤبدة و جلد خمسة أمام أعين أهليهم في نفس المكان الذي قُتل فيه الجندي الإنجليزي,وكان من أعضاء المحكمة أحمد فتحي زغلول الأخ الأكبلر لسعد زغلول وبطرس غالي وزير الحقانية وقتها.

استغل مصطفي كامل الحادثة في التنديد بالاحتلال في كل من مصر و أوروبا، فقامت إنجلترا بسحب اللورد كرومر في أبريل 1907م و عينت (جرورست) بدلاً من كرومر.

وكان من نتائج هذه الإعدامات والجلد حدوث هيجان داخل صفوف المصريين حتى الفلاحيين منهم وانتشرت في كل ربوع مصر ,وحدثت اعتراضات في كل مديريات مصر وقتها.

وقتها أدرك مصطفي كامل ضرورة تنظيم الجهود الوطنية بعد حادثة دنشواي فأنشأ نادي المدارس العليا و الحزب الوطني في ديسمبر 1907، و أصدر طبعتين إنجليزية و فرنسية من جريدة اللواء للقارئ الأوروبي.

وبعد وفاة مصطفي كامل في 10 فبراير 1908م و هو في الرابعة و الثلاثين من عمره، خلفه في زعامة الحزب الوطني محمد فريد.

وكان لمصطفي كامل ومحمد فريد الأثر الأكبر في وجود هذا الغليان داخل كل طبقات المصريين من أهل المدينة والريف والفلاحين والمتعلمين.

واستمرت حالة الهياج الثوري داخل قلوب الشباب بعد إصدار أحكام الإعدام والجلد  في حادثة دنشواي، حتى ظهور مشروع مد امتياز قناة السويس للإنجليز, وقد وافق بطرس غالي رئيس الوزراء  وقتها (جد بطرس غالي الأمين السابق للأمم المتحدة وجد يوسف بطرس غالي وزير المالية في زمان مبارك)على هذا المشروع ,وكان حلم المصريين هو أن تكون القناة المصرية ملكاً للمصريين وليس للإنجليز, فقام شاب اسمه إبراهيم الورداني باغتيال بطرس غالي  رئيس الوزراء عام 1910م أثناء خروجه من مقر رئاسة الوزراء، و تم القبض علي الورداني و حكم عليه بالإعدام.(نستكمل البقية في المقال القادم بإذن الله)

نلتقي في الجزء الثاني

المراجع :

  •       مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية عبدالرحمن الرافعي
  •       مذكرات عباس حلمي الثاني
  •       تطور السياسة الدولية د.محمد السيد سليم
  •       تراجم مصرية وعربية محمد حسين هيكل
  •       مصطفى كامل  شاب من مصر  نشأت الديهي
https://antitatrof.com//archives/6852

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى