وثيقة المدينة (13) .. خاتمة
تناولنا في المقالات السابقة نص “وثيقة المدينة” وملامحها السياسية والاقتصادية والحقوقية والاجتماعية؛ والتي أثبتت -بِجَلاء- عظمة الإسلام ورُقِيَّه على كل ما وضَعَتْه البشرية من قواعد وضوابط، والتي تأَخَّرَت قرون طويلة عَمَّا قرره هذا الدين العظيم، كما أثبتت الوثيقة أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أَسَّسَ دولةً مُتكامِلَةَ الأركان، تَعامَلَ فيها بمقتضى النبُوّة والرِّسالة وبمقتضى الولاية والرئاسة مع رعاياها -مُسلِمِهم وكافِرِهم- بما أمر الله -عزَّ وجَلَّ- به ” إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا” (النساء: 58).
وظهر من خلال ذلك شمول الإسلام في تنظيم حياة الفرد والدولة، فهو بالفعل دينٌ ودولة؛ وليس الدين فيما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجرد علاقة شخصية بين الإنسان وبين ربه الذي يختاره -وكُلٌ يختار لنفسه ما شاء- والدولة ينظمها الناس بما اصطلحوا عليه -ولو كان خلاف الوحي المُنَزَّل- كما هو تَصَوُّر “الدولة المدنية” في الفكر الغربي، بل الإسلامُ يُنَظِّم جميعَ شئون الدولة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحقوقية والعسكرية..
نُصوصٌ واضِحَةٌ؛ فكيف يُمكِن أن يُقبَل تَصَوُّر فصلِ الدين عن الدولة -فضلًا عن الحياةِ كُلِّها- كما يريد أعداء هذه الأمة، وكما يردده أذنابهم؟!..
ولذا كان هذا الفصلُ المزعومُ مُناقَضَةً صريحة للقرآن العظيم، قال الله تعالى: “قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ”، ومُناقَضَةً لسُنَّةِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- المُستَفيضة -بل المُتَواتِرة- الواضِحة الجَلِيَّة؛ ولذا حَكَم أَهلُ العِلْمِ بخروج من قال بأنه “لا دينَ في السياسةِ، ولاسياسةَ في الدينِ” عن حدود هذا الدين -بل عنه بالكُلِّيَّةِ- بعد إقامة الحُجَّةِ، واستيفاء الشروط وانتفاء الموانع.
يبقى أن ننظر في مآل هذه الوثيقة؛ فقد وَفَّى بها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- والمسلمون وفاءً كامِلًا، في حين نَقَضَها اليهودُ قَبيلَةً بَعْدَ قَبيلَةٍ، على طبيعتهم في الغدر والخيانة والفجور، فنَقَضَها يهود بني قَيْنقَاع بعد غَزْوَةِ بَدْر، وانتهى ذلك الغدر بإجلائهم عن المدينة، ونَقَضَها يهود بني النَّضِير بعد غَزْوَةِ أُحُد، وانتهى ذلك الغدر بإخراجهم إلى الشام كما دلت عليه سُورة بني النضير التي هي سُورة الحَشْر، ونقض يهود بني قُرَيْظَة عهدَهم أثناء غَزْوَةِ الأحزاب، وانتهى غدرهم بقتل مُقاتِليهم وسَبْيِ نسائِهم وذَرَارِيهم وأموالِهم -لأنهم كانوا أخبث الطوائف الثلاثة، وأخطرهم في نقض العهد على الإسلام والمسلمين- وقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك في غَزْوَةِ الأحزاب في قوله -عزَّ وجَلَّ- ” وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَّمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا” (الأحزاب: 26 – 27).
ونحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به علينا من هذا الدين العظيم، وما بَيَّن لنا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- من تطبيقٍ سَامٍ رفيعِ القدر له، مع الصحابة -رضي الله عنهم-؛ ليظل ذلك أُسوةً لنا، لا تؤثر فيه تَصَرُّفَات بعض الخارجين عنه، وإن انتسبوا إليه وزعموا أنهم هم الذين يطبقونه أو ينتحلونه..
ولا يصح لنا أن نُهمِلَ بيان هذا السُّمُوِّ للناس، لأن تشويه صورة الإسلام -كما وقع مؤخرًا في هذا العصر- بسبب تصرفات طوائف انتسبت للإسلام ورفعت شعارات الجهاد والخِلَاَفة وغير ذلك من الشعارات الإسلامية مما أدى إلى تنفير الناس؛ فالعلاج بأن نُبَيِّن للمسلمين وغير المسلمين ما تَضَمَّنَه تاريخُ هذه الأُمَّةِ، وتطبيق الرسول -صلى الله عليه وسلم- والصحابة للإسلام، فهذا هو الفهم الصحيح.
وتبقى “وثيقة المدينة” نِبْراسًا ونُورًا على الطريق .. نسأل الله -عزَّ وجَلَّ- أن يُلْحِقَنا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- والصالحين، والحمد لله رب العالمين.



