مفردة جديدة في التناول السياسي والإعلامي، تسربت من شقوق الوهن ومن دهاليز الغفلة، الغفلة الشاملة حتى عن اللغة ذاتها، فماذا يمكن أن تقصد اللغة بهذا المعنى المراد غير محاولة خلق طبيعة جديدة في كينونة ما هي أصلا ليست من جوهرها، فقد خلقت المفردات والأشياء كلٌ بسمات فطرية جوهرية أصلية تحدد ذاتها فلا تكون إلا هي وإلا تحطمت وتهشمت وانهارت وأصبحت غيرها هذا إن حدث المستحيل وتغيرت طبائعها، ولكنها في كل الأحوال تفقد انتظام إيقاعها فلا تكون ما أرادت ولا تبقى كما كانت.
ويسري هذا الوصف ربما على مختلف الظواهر والأشياء، وفي أغلب الأحوال فإنه يصار إلى قهر الأشياء لتكون بجوار الأشياء في معادلة اضطرارية محكومة بشروط مصطنعة هي دوما على شفا الانهيار الذي سيكون أكثر دمارا وخرابا، لأنه سيكون قد راكم كل مخزونات خدش شروط الهوية طوال فترات الاضطرار التي تحللت الآن وأطلقت الحالة مزاجها للدمار.
فالطبع هو اسم المصدر للفعل “طبع”، أي حدد الجوهر الأولي للشيء الذي يسمه ويتسمى به ويبرر وجوده في الوجود، فحينئذٍ يتجلى “التطبيع” كمحاولة لتغيير ذلك التكوين الأول الذي يتمثل في إبداع هوية الأشياء واستعداد الأسماء لتكون كائناتٍ حيةً تماما كالأرواح والنفوس والرغبات والبصمات، هل يستطيع أحد أن “يطبّع” البصمات، أو الجينات أو شكل الروح وطعم النفس وحالة ودٍّ بين كينونتين دون أن يبغي ويقتل ويشوه ويبطش بما أنه لا يمكن أن تكون سويةً عند تغيير فطرتها الأولى.
والكيان الصهيوني هو تلك المحاولات التي تنبش في المستحيل.
من هنا تلوح فكرة التطبيع بمعناها المتداول والذي تم الترويج لها من بضعة عقود مسخوية صادمة رغم سهر القائمين عليها، الحريصين على صبغها بمؤثرات شرطية تجميلية لكي تتجاوز الهوة الوجدانية والمنطقية الهائلة المرعبة التي تنذر بنهاية العرب أو التاريخ أو الإنسان.
ورغم أن مجرد هذا التداول، ومجرد أن يكون مطروحا على الذات العربية نفسيا وروحيا ووجدانيا لهو في حد ذاته إنجازٌ نوعيّ للآلة الصهيونية، فقد كان مجرد التفكير بها في وقت سابق أمراً تنشق له الأرض وتمور السماء.
ومن هنا أيضا فإن محاولة الكتابة عن “التطبيع” بمعناه المعرفي ومقتضياته وتداعياته ومعانيه وتجلياته وآثاره البعيدة تصبح أسيرة افتراضين على الأقل، أولهما مبنيٌّ على قبول الفكرة والنظر فيما يمكن أن يستفاد منها أو ما يمكن أن يُتجنَّبَ بها من موبقات، وتلك فرضية تؤسس لذاتها استنادا على عدم انتباه كامل “في رأيي” لجوهر الحكاية الصهيونية، ومفترِضةُ ربما حسن نواياها أو ربما أن هذا الفريق يريد أن يصدق نفسه مغمضا بصيرته وعقله عن التاريخ ظانا بذلك أن التاريخ لا يراه.
- فيديو.. الداخلية تعلن ضبط خلية إرهابية تضم قادة من حركة حسم الإرهابية
- الداخلية: مصرع عنصرين بحركة حسم الإرهابية
- إيران تستلم خطة واشنطن لإنهاء الحرب وإسرائيل تصادق على استدعاء مئات آلاف جنود الاحتياط
- تمهيدًا للمصادقة النهائية: لجنة في الكنيست تقر مشروع قانون الإعدام للأسرى الفلسطينيين
- “بن غفير” يقتحم الأقصى في أول جمعة من رمضان ويعقد اجتماعا أمنيا داخله
هذا المنحى يقبل من حيث الجوهر ليس فقط انتقاص الحقوق، وليس مجرد الرضا عن الانتهاك والاحتلال والتزوير، لكنه يذهب بعيدا في تجاوز تجارب التاريخ ويتراجع حتى عن المستوى النفسي للهنود الحمر، إذ يقبل منذ البدء هزيمة نوعية وخسارة ذاتيةُ كاملة، وماذا يكسب من ربح العالم وخسر نفسه، كما أن مجرد القبول ليس عملا باردا محايدا كما قد يبدو، بل على العكس تماما فإن له من التداعيات على كافة المستويات والمديات آثارا زلزالية متفاقمة ومتراكبة بطريقة أسّيّة ومتشابكة بطريقة تفاعلية على المستويات النفسية والروحية والتاريخية وعلى طموحات الشعوب.. الخ مما سيحدِث دوياُ أسطوريا وتدهوراً وفوضى مفاهيمية تفجر الماضي والحاضر وتجعل المستقبل أسيرا لكل الاحتمالات المرعبة.
وقد تبرعمت لأصحاب هذا المنحى ثقافته الخاصة ومنطقه الخاص، تماما ككل منحى سياسي، إذ لابد من إسناد منطقيّ يوازن الروح والكرامة والاعتبار ويلتف على البصيرة الشعبية، وتراوحت محاولاتها بين إدعاء الواقعية والعقلانية أحيانا وتجاوزت ذاتها كثيرا بخطاب صادم يتبنى مقولات معادية للذات ومتماهية في الفكر الصهيوني إلى درجة الترويج للمقلوبة “الإسرائيلية” وفلافل وكنافة “تل أبيب”..
يمثل ها الموقف صراحة أو ضمنا الكيانات والمنظومات ذات الاضطرارات والارتباطات والحسابات بالإضافة إلى المجموعات ذات التوجهات المضادة سلفا لفكرة الشرق وقيمه ومبادئه ومعانيه ومضامينه وهذه إما قديمة كامنة أو حديثة مستلبة.
بينما يقف في الطرف الآخر الشعوب والكيانات ذات الخيارات، تلك التي تتجاوز الحسابات والمتحررة من الغرائز، وهي السواد الأعظم البديهي في المنطقة، وهي تتحسس مواطن قوتها وتعرف مداها وتثق بها وبذاتها ونتوفر على بصيرة تتجاوز الاستراتيجيات وموازين القوى، كما أنها مجبولة على فكرة الحق وحتمية التحقق.



