أعرف عدوك

الاستراتيجية العسكرية “الإسرائيلية”

 تُعرّف الاستراتيجية العسكرية بأنها فن استخدام القوات المسلحة ووسائط الدولة كلها في الحرب، وهي جملة معارف علمية عن قوانين الحرب كصراع مسلح من أجل مصالح وطنية أو قومية، وتنسق أعمالها وتوحّد جهودها لبلوغ الهدف السياسي العسكري الموحد. وترتبط الاستراتيجية العسكرية ارتباطاً وثيقاً بفن العمليات والتكتيك العسكري. وتحدد العقيدة العسكرية للاستراتيجية العسكرية الأسس والمبادئ العامة التي يجب أن تسير عليها، وخصوصاً الموضوعات التفصيلية المتعلقة بطبيعة الحرب المقبلة وتنظيم الوحدات العسكرية وطرق إدارة الحرب.

بنت “إسرائيل” استراتيجيتها العسكرية بالاعتماد على إدراك دقيق لإمكانات الدول العربية المواجهة لها، وأهمها: العامل البشري، والتفوق السكاني العددي، والقاعدة الاقتصادية للدول العربية، واتساع الرقعة الجغرافية والسياسية لهذه البلاد، الأمر الذي يحقق لها عمقاً استراتيجياً ومرونة واسعة في العمليات العسكرية، وهو ما يمدها بالقدرة على تحمل حرب طويلة الأمد، لا تستطيع “إسرائيل” تحمّلها بسبب إمكاناتها البشرية والاقتصادية والجغرافية المحدودة، في الوقت نفسه الذي تعتمد “إسرائيل” على التنسيق والتعاون العسكري مع الولايات المتحدة. ولذلك فإن “إسرائيل”، نظراً إلى وضعها الجغرافي – السياسي، وإلى كونها داخل رقعة إقليمية تهدد وجودها لتماسها الحدودي مع أعدائها المباشرين (الدول العربية)، صاغت استراتيجيتها العسكرية على أساس الحرص على الحسم في كل مواجهة مع الدول العربية، ونقل المعركة إلى عمق أرض العدو، لأن هزيمة “إسرائيل” في معركة أو حرب تعني تهديداً وجودياً وكيانياً.

إذاً، يقوم جوهر الاستراتيجية العسكرية “الإسرائيلية” على المحافظة على القوة في أعلى درجاتها، وأن المسائل المتعلقة بمحيطها الإقليمي لا يمكن حلها إلاّ عن طريق التفوق النوعي، وعليها أن تتبنّى مبدأ “الهجوم الفعال” أو “الضربات الاستباقية”.

الخطة الخمسية – “تيفن 2012”

ما زالت الخطة الخمسية المعروفة بخطة  “تيفن 2012” تشكل أساس الاستراتيجية العسكرية في العقد الأخير التي تتمحور حول أهمية وضرورة تطوير القوات المسلحة “الإسرائيلية” فيما يتعلق بقواتها البرية في إطار الدروس والعِبر التي أسفرت عنها الحرب على لبنان في   يوليو 2006، وانعكست في تقرير لجنة فينوغراد عن أوجه التقصير التي كشفت عنها هذه الحرب، وخصوصاً في مجال عمل القوات البرية وأدائها، وأيضاً في ضوء الدروس والخبرات المكتسبة من الحروب الإقليمية الدائرة في العراق وأفغانستان ومع المقاومة الفلسطينية، وما حدث من تطويرات تقنية متسارعة في أنظمة التسليح والمعدات الحربية على الصعيد العالمي، ولا سيما في الولايات المتحدة وروسيا خلال السنوات القليلة الماضية.

أقر رئيس الأركان الجنرال السابق، غابي أشكنازي، خطة “تيفن 2012” ليؤكد بها إيلاء القيادة العسكرية القوات البرية أهمية قصوى من خلال تخصيص موازنات هائلة لمشترياتها، أعلى من تلك المخصصة لسلاح الجو الذي حظي في السنوات الأخيرة بحصة الأسد من الموازنة. كما أوصت الخطة بوقف تهميش القوات البرية ووجوب العودة إلى التركيز على أسلحتها من المشاة والمدرعات. كذلك اقتضت الخطة الخمسية زيادة القوات المدرعة بحجم فرقتين وتحسين نجاعة الدروع، إلاّ إنها لم تقلل من حق سلاحي الجو والبحر اللذين سيتزودان بمشتريات جديدة توفرت أموالها من ارتفاع الدعم العسكري الأميركي من 2,4 مليار دولار إلى أكثر من 3 مليارات دولار سنوياً. فقد بدأ من سنة 2014 تزويد سلاح الطيران بـ 50 مقاتلة أميركية جديدة من طراز F-35 تطورها شركة لوكهيد مارتن وثمن كل منها 50 مليون دولار، وهي قادرة على الإفلات من الرادارات، هذا إلى جانب تطوير الطائرات من دون طيار وتحسينها.

ووفق الخطة، بدأ تزويد الجيش “الإسرائيلي” بالمدرعات الثقيلة، أهمها تزويد التشكيلات المدرعة والميكانيكية بدبابات ميركافا 4 المتطورة، وكذلك بناقلات جند مدرعة من طراز نمر مزودة بأجهزة استشعار إلكترونية من طراز تروفي (Trophy) للحماية الفعالة ضد الصواريخ المضادة للدبابات والتشويش عليها وتجنبها، كما تعطي إنذاراً باقتراب الصاروخ المضاد للدبابات المعادية. هذا إلى جانب تزويد هذه المركبات القتالية بدروع تمت تقويتها وأُطلق عليها اسم «شوبهام» أو «ارتجاعية»، في إطار تحييد الصواريخ المضادة للدبابات المتطورة (وخصوصاً «كورنيت At-14» الروسية)، وتأمين استمرار فاعلية قوة الصدمة التي تتمتع بها القوات المدرعة، إضافة إلى إدخال منظومات دفاعية ناجحة في اعتراض الصواريخ من الأنواع كافة، أي أرض / أرض، والصواريخ المضادة للدبابات.

من هنا، جاء تركيز الخطة الخمسية على الدور البارز الذي ستؤديه القوات البرية، وخصوصاً المدرعة والمشاة والقوات الخاصة، في الحرب المقبلة. وعلى الرغم من أنه لن يكون هناك دور للقوات البرية في العمليات العسكرية المتوقعة ضد إيران، بحيث ستقوم القوات الجوية “الإسرائيلية” بالدور الرئيسي فيها، فإن القوات البرية استفادت من دروس حرب لبنان الأخيرة، وستؤدي دوراً بارزاً ورئيسياً في أي عمليات عسكرية مقبلة ضد سوريا وحزب الله في لبنان، وسيعتمد أساساً على نقل المعركة إلى أراضي الخصم من خلال العودة إلى أساليب الاختراق العميق وعمليات الالتفاف والتطويق، وإلى العمل الذي تقوم به أساساً القوات المدرعة بالاشتراك مع قوات الجو في إطار ما يسمى الحرب الجو برية والتي يتم فيها التعامل مع جميع أهداف الخصم في المواجهة أو العمق والجوانب في وقت واحد.

أمّا بالنسبة إلى القوات البحرية “الإسرائيلية”، فتم تعزيزها في السنوات الأخيرة بعدد من السفن الحربية من طراز «ساعر» مجهزة بأنظمة نيران هجومية ودفاعية متطورة، فضلاً عن غواصتي دولفين، الأمر الذي سيمنح القوات البحرية قدرة على العمل في المياه العميقة وتوجيه ضربات صاروخية بواسطة صواريخ كروز نووية تكتيكية ضد أهداف إيرانية من خليج عُمان، إضافة إلى إحكام الحصار على السواحل السورية ومنع وصول إمدادات بحرية إلى حزب الله في لبنان.

الوثيقة العسكرية في سنة 2018

في إطار المواكبة الدائمة التي يوليها الجيش “الإسرائيلي” للمتغيرات في البيئة الإقليمية والدولية، والتي تتطلب رؤيا متجددة وتجديداً مستمراً لاستراتيجيته العسكرية، فقد نشرت رئاسة هيئة الأركان “الإسرائيلية” وثيقة عسكرية جديدة عن استراتيجية الجيش “الإسرائيلي” في سنة 2018 وهذه الوثيقة هي أقرب ما تكون إلى إعادة صوغ العقيدة الأمنية والعسكرية لدولة “إسرائيل”، وهي نسخة محدثة عن الوثيقة المنشورة سنة 2015 تحت عنوان «الخطة متعددة السنوات». وتتناول هذه الوثيقة قضايا حساسة، أبرزها مفهوم الأمن وغايات الجيش في الحرب، كما تتضمن ما يوصف بالأهداف القومية ومبادئ نظرية الأمن ووصف بيئة العمل الخاصة بالجيش، وكذلك كيفية استخدام القوة ونجاعة القيادة والسيطرة وتنظيم الجيش “الإسرائيلي” للمعركة من خلال تحديد مهمات القيادة العامة ومهمات القيادات الرئيسية وتحديد القدرات المطلوبة.

في الإطار الفكري العام للوثيقة، أكدت مجدداً أهم مبادئ نظرية الأمن القومي “الإسرائيلي”، وهي:

أولاً: الاعتماد على استراتيجية أمنية دفاعية، هدفها ضمان وجود “إسرائيل” وخلق ردع ناجح، وتقليص التهديدات عند الحاجة، وتأجيل المواجهات.

ثانياً : نظرية عسكرية هجومية من أجل فرض الإرادة على العدو.

ثالثاً : ضرورة نقل المعركة إلى مناطق الطرف الآخر في كل جوانبها (البرية والجوية والبحرية والمعلوماتية)، وإدارة المعركة هناك.

رابعاً : تعزيز استراتيجية “إسرائيل” التي تسعى لتطوير الأوضاع الاستراتيجية للمعركة المستقبلية، والتشويش على الأوضاع الخاصة بالعدو، والتأثير في موازين القوى في المنطقة، والعمل على تحقيق الواقع الأمني المطلوب من خلال تفوقها العسكري.

التجديدات والتعديلات الأساسية

أشارت الوثيقة المحدثة بوضوح إلى أن أهداف الجيش من استخدام القوة العسكرية لا تقتصر على القضاء على التهديدات العسكرية المباشرة العينية، مثل حركة حماس وحزب الله، بل تشمل أيضاً العمل على تقوية تأثير “إسرائيل” في الساحتين الدولية والإقليمية، وذلك في إشارة واضحة إلى عمليات الجيش في سوريا ولبنان كمثال، والهادفة إلى محاولة امتلاك “إسرائيل” أوراقاً تمكنها من التأثير في أي مشهد إقليمي مستقبلي، ولا سيما عدم ترك الساحة للمحور الثلاثي الذي يضم روسيا وتركيا وإيران.

أمّا التعديل الجديد الثاني فيشمل التشديد على أهمية العمليات العسكرية في إطار استراتيجية عسكرية هي «المعركة بين الحروب» التي تشمل توجيه ضربات محدودة إلى المنظمات والكيانات المعادية، كحزب الله وحركة  حماس وغيرهما، لمنع تعاظمها بين الفترة والأُخرى، والتشجيع على القيام بعمليات اقتحامية للجيش “الإسرائيلي” على غرار عملية عنتيبي. لذلك جرى إنشاء لواء الكوماندوز، اللواء رقم  89، والذي أجرى عدة تدريبات خارج “إسرائيل”، ليحاكي أوضاعاً مناخية مشابهة لبلاد العدو – مثل اليونان وقبرص – والتدرب كذلك على إمداد القوات بالدعم اللوجستي الضروري في المناطق الغريبة والبعيدة.

كما تضمنت الوثيقة تحديثاً ثالثاً مهماً هو تأكيد أن صورة وشكل تفعيل القوة العسكرية يجب أن يتضمن الدمج بين نهج الحسم في المعركة ونهج المنع والإحباط والتأثير، أي منع وقوع المواجهة قدر الإمكان من خلال الردع. وكان من التعديلات على استراتيجية الجيش، التوجه إلى التركيز على القوة العسكرية، والضرب بالعمق، من خلال الاعتماد على المعلومات الاستخباراتية الدقيقة، وحرب خاطفة وسريعة، وفترتها الزمنية أقل من فترة أي حرب سابقة مع انتصار ساحق وواضح على العدو، مع التركيز على الضربة المكثفة لقواعده، وأن يعمل الجيش على فرض شروط إنهاء القتال ضد العدو، من خلال قوة النيران وفي زمن قصير.

الفكر العسكري العملياتي في الوثيقة العسكرية:

أزمة سلاح البر في الاستراتيجية العسكرية

إن أزمة سلاح البر في الاستراتيجية الجديدة، والناتجة من التحولات والتغييرات في نمط الحرب الجديدة، ولا سيما في ظل النقاش في شأن إعادة الاعتبار إلى القوات البرية، وفق العِبرة الأميركية التي تقول، بحسب تجربة أفغانستان، هي عدم إمكان حسم المواجهة أو الحرب من دون تدخل القوات البرية والتوغل في عمق ميدان العدو. وهذا الدور يتطلب تحسين أداء القوات البرية وتحديثها في المواجهات العسكرية، بعدما تغيرت ميادين القتال، وتمكّن العدو الحالي، حركة حماس وحزب الله من إبطال كثير من فاعلية الجيوش البرية “الإسرائيلية” بفعل توزيع نقاط الانتشار لقواتهما على مساحة واسعة من أرض لبنان وغزة، إذ لم تعد هذه الجيوش قادرة على توغل بري يستطيع شل قدرة العدو، أو إبطال قدرته الصاروخية، ومنع استمرار المواجهة وضرب العمق “الإسرائيلي”.

أمّا فيما يتعلق بدور القوات الجوية، فتأخذ الوثيقة، بعين الاعتبار جميع التغييرات الاستراتيجية والإقليمية المتعلقة بقدرات وقوة مصادر التهديد، مثل غياب خطر الجيوش النظامية في مقابل صعود خطر المنظمات شبه الدولية التي تملك تنظيمات تقترب من الجيوش النظامية، والتغييرات في طبيعة الحروب في الواقع الجديد. وبالتالي، فإن “إسرائيل”، بسبب جملة هذه التهديدات إلى جانب «ضيق مساحتها» تحتاج إلى قوة قادرة على القتال من ساحة إلى أُخرى، وهذا ما يميز سلاح الجو “الإسرائيلي”، فضلاً عن التفوق النسبي الواضح لهذا السلاح نتيجة امتلاكه أفضل التكنولوجيا والتقنيات الحربية الحديثة والمتطورة.

إلاّ إنه، إلى جانب تفوق سلاح الجو “الإسرائيلي”، وفي ظل تراجع وتآكل الجيوش التقليدية، فإن الخصوم اليوم، أي حركة حماس وحزب الله، استثمروا بصورة خاصة في منظومات دفاعية ومنظومات هجومية، أي الترسانة الصاروخية، وهو ما أسفر في العقد الأخير عملياً عن ارتفاع ملموس وجدي في التهديدات التقليدية في مجال الحرب الصاروخية، الأمر الذي يجعل تفضيل القوة الجوية على المناورة البرية.

“الحرب على الوعي:”

استراتيجية عسكرية جديدة

أهمية الحرب على الوعي، وهي ليست مسألة جديدة، إنما جزء من تاريخ حروب العصور القديمة، تعود إلى تعزيز الروح القتالية في قمع العدو من جهة، كما إلى تداخل المعركة العسكرية مع عمليات تهدف إلى التأثير في عقل العدو من جهة أُخرى.

تتيح التقنيات التكنولوجية المتطورة الموجهة إلى جماهير مستهدفة متعددة، خلق ساحة أُخرى للمعركة، فضلاً عن المعركة العسكرية التقليدية، إذ تجد الجيوش والدول نفسها، في مواجهة جهود العدو عبر استغلال الفضاء التكنولوجي والشبكات الاجتماعية لتحقيق الإنجازات. وهذا يسرع التأثير في الجمهور المستهدف من العدو، بمن فيهم صناع القرار والقادة والمقاتلون، وكذلك الرأي العام المحلي والدولي.

لذا، كثف الجيش “الإسرائيلي” في السنوات الأخيرة نشاطه على الجانب النفسي، فيما يسميه «الحرب على الوعي»، كجزء من السعي لـ «تطوير الوعي وبناء الإمكانات التنظيمية التي تدعم رؤية الجيش»، وفق تقرير نشره معهد أبحاث الأمن القومي. وأوضح التقرير أن خطة الجيش تشمل وضع مفهوم شن حملات على الوعي لدى الجانب غير “الإسرائيلي”، وتطوير الأدوات التكنولوجية، وتدريب الأفراد الملائمين، وبناء الأطر التنظيمية التي تدعم هذا المفهوم، بهدف توجيه رسالة مباشرة إلى المجتمعات المستهدفة في الدول المعادية، بما في ذلك الخطاب نحو ما سماه التقرير “العناصر الإرهابية في الشبكات الاجتماعية”.

يمكن تقسيم الحرب على الوعي إلى ثلاث فئات: أولها، «عمليات سرية للوعي»، بحيث لا يكون الهدف على دراية بوجود جهد حربي على الوعي يجري ضده؛ ثانيها، «الدعاية الكاذبة»؛ ثالثها، «شن حملات ضد الوعي»، من خلال الإعلانات والرسائل. وعلى سبيل المثال، نلحظ أن المتحدث باسم الجيش “الإسرائيلي”، والمسؤول عن الشبكات الاجتماعية في العالم العربي، يسعى للوصول إلى مختلف الفئات المستهدفة في الدول العربية، عن طريق طرح تساؤلات وأمور جدلية أمام الجمهور العربي، مثل، جدلية «شباب لبنان للموت في ساحة الحرب في سوريا»، وجدلية الدور الإيراني الإقليمي، وعقيدة ولاية الفقيه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

زر الذهاب إلى الأعلى