
نحن أمام مأزق تاريخي بلا أدنى ريب يتمثل في تجاذب وطني بين حركة أصيلة نالت مشروعيتها من ريادة أصيلة للنضال تبعتها أخرى نازعتها نصيبا منها وبين حركات عقدية أصولية امتطت الموجة دون إيمان بفكرة الوطن استعصمت بمثالية تجريدية زعمت انتسابها للدين و لكنها تنكبت مبادئه العملية والسلوكية تركض وراء سراب أممية ارتدت إلى شوفونية حاقدة لا تمت للدين بأي صلة ضللت الجماهير بديماجوجية عدمية خاضت تجارب فاشلة على مدى قرن كامل من الزمان توجت عبثيتها بكارثة وطنية استعصى الخلاص منها وكالنها غرعرينا سياسية يخشى من اسئصال العضو الذي استشرت فيه.
و نحن أمام نازية عدوانية جديدة تتمثل في إسرائيل التي يتبادل اليمين فيها و اليسار أدوار القمع و السلب و الاستيلاء على الأرض و الزرع و الضرع وتوجت عدوانيتها بصفعة القرن تحميها الدولة الكبرى المهيمنة على العالم
وأمام تفكك في الجسم العربي التهمت جانبا منه الفوضى فعاثت فيه فسادا واستعصمت طائفة أخرى بمصالحها الوطنية و ثالثة أرادت ؟أن تأمن شر الوحش العالمي الكاسر فلاذت بصمت مريب و لم يبق إلا ذبالة من أمل في زعماء شجعان قبلوا التحدي و تصدوا للطوفان. وهذا تشخيص ماثل يصدم العقول و الجوارح و لكن السؤال كيف نواجه الطوفان ، وقبله كيف نتصدى لما ألم بجسدنا من مظاهر المرض لنفكر بشكل سليم.
كنت في المقالة السابقة قد تحدثت عن المغالطات في الخطاب السياسي الذي تحاول أن تسوقه بعض الجهات المناوئة و المغرضة عبر إعلام موجه ، ولعلي أقف في هذه المقالة على بعض التساؤلات التي تكشف في بعض جوانبها عن تلك المغالطات ، خصوصا بعد أن انتهت الانتخابات الإسرائيلية و اتضحت الصورة على نحو أكثر جلاء.
يزعم البعض أن السلطة تراهن على فوز(أزرق أبيض )لتشرع في التفاوض مع (جينتس) و فريقه ، وهو رهان خاسر ، و هاهي تخسر الرهان مرة ثانية ، و الحقيقة أنها لم تراهن أبدا على ذلك قط و منذ الانتخابات الماضية أعلن رئيس الحكومة الفلسطينية أن نتنياهو و جينتس هما وجهان لعملة واحدة و القائمة المشتركة في الداخل – وهي تتساوف مع السلطة الوطنية – أعلنت شروطها لدعم جينتس و وضعت أولوياتها لإزاحة نتنياهو عن المشهد ؛ و لكن الكل يعلم أن ترمب وضع ثقله كله خلف نتنياهو بإعلانه صفعة القرن رشوة للناخبين اليمينيين وهم يشكلون الغالبية بين الاسرائيلين . ولكن نجد إعلاميا محسوبا على حماس ، مثل الأخ ياسر زعاترة يتحدث عن سقوط رهان السلطة في الانتخابات الإسرائيلية ، وهذا لون من ألوان المغالطات الكيدية التي تنحز للانتماء الحزبي على حساب الحس الوطني.
أتساءل : لصالح من هذه المغالطة ؟ هذا أحد أعراض الكورونا السياسية التي نعاني من استشرائها.
ثم أتساءل : ماذا نترجّى من فصيل سياسي ينكّل بمناضل وطني و يختطفه من الشارع العام وهو في طريقه لشراء الدواء لوالده المريض بواسطة رجال ملثمين أشبه بعصابات المافيا ويودعونه السجن ، ولا يرعون فيه إلّا و لا ذمة و هو مريض السكر و الضغط، ولا يتورعون عن الاعتراف بأنهم تسببوا بموته بسبب الإهمال، والأرجح أن ذلك حدث بسبب التعذيب ،وقد يتّموا أطفاله و رمّلوا زوجته وحرقوا قلب والديه وهو مازال في عنفوان عطائه بدعوى تخابره مع رام الله هل وصل الحقد إلى هذا الحد؟,
أتساءل أيضا ماذا نقول للأعداء ؟ هل نقول لهم أن إخواننا ينافسونكم وحشية و ظلما و عداوة . وهذا عرض مرضي أنكى مما سبقه
ثم أسأل أخي ناصر اللحام : تغريدتك عن المفاوضين الأفغان و ملايين المغرّدين (وهذه فرية كبرى) الذين يلمزون المفاوضين الفلسطينيين كما زعمت،ويشيرون إلى المفاوض الأفغاني الهادئ الذي حافظ على زيه الوطني وانتزع مطالبه من أمريكا ، و أنت تعلم علم اليقين أن مفاوضي طالبان لا يمكن مقارنتهم بمفاوضينا ؛ فطالبان في الأصل صنيعة أمريكية ، وهم صنو القاعدة و داعش وأن المفاوضات بينهم و بين أمريكا تخضع لقواعد لعبة مخابراتية تديرها أجهزة الدولة العميقة ، وصورة الدكتور عبد الله عزام بالزي الأفغاني االذي اغتاله و أبناءه قادة الجهاد المزعوم مازالت ماثلة ، لم يشفع له ما حشده من كرامات لهؤلاء المجاهدين في كتابه الذي تغنى بهم فكان ضحيتهم وهو الذي سار وراء سراب أممي مستحيل (رحمه الله).
وأتساءل لصالح من هذا التضليل يا دكتور و أنت تعلم أن وضع أفغانستان الشاسعة المساحة التي تمتد حدودها مسافات تهيء لها إمدادات بلاحدود ،وكنا دائما نقول كيف تقارنون حركة وطنية لا حدود لها محاصرة من كل جهات الأرض لا تمتلك حتى و لو ستة أمتار حدودا حرّة بأخرى تمتد حدودها ستة آلاف كيلو متر ، ثم شتان بين غاز محتل بقوة عسكريةعابرة للقارات غاز مستوطن يحميه جيش من أقوى الجيوش في العالم وتسنده الدولة الكبرى (القطب الأوحد في العالم)
ثم لماذا نستمر في جلد أنفسنا و نحن نعاني من قلة الحيلة و نفاد الوسيلة بدلا من أن نفكر معا في الخروج من هذا المأزق التاريخي ، كل ماقام به الرئيس من جهد أثقل كاهله في هذا السن المتقدم لايكافئه جهد شعبي يوازيه – وإن كنا نلتمس لهم العذر – و لكننا بحاجة إلى مبادرة شعبية استثنائية تقودها فتح .
ولكنني بعد هذا كله أتساءل :
أولا – لماذا تصدر قرارات بشأن ايقاف التعامل تماما مع الاحتلال في حين يستحيل تنفيذها بسبب هذا التشابك الجغرافي و الحياتي الوثيق وتملّك إسرائيل لزمام الأمور والتواصل من خلال الحواجز العسكرية ؛ وهذا يضر بسمعة السلطة و يتيح المجال للمضللين و الشانئين للتشكيك في مصداقيتها .
ثانيا – لماذتا يكون تصدّي المقاومة الشعبية في بعض الأماكن ضعيفا لا يرقى إلى حجم الهجمة الاستيطانية بينما نراه قويا منظّما في أماكن أخرى ، ، لماذا هذا الروتين الذي جعل المقاومة موسمية تستعد لها إسرائيل في أيام الجمع و لا تتم المباغتة المفاجئة للعدو بحيث تصبح المقاومة سلوكا يوميا يرهق الاحتلال و يستنزفه، هل هو ضعف في التحشيد وقصور في التخطيط أو خوف من ردّات الفعل العنيفة أو ماذا ؟
ثالثا – يمضي الاستيطان في وتيرة متصاعدة و لا نملك إلا تغطية أخباره على نحو يومي ؛ بينما لا يجري تغطية الحركة المضادة له كما ينبغي ، ونجد الإعلام الرسمي مناسباتي قصارى ما يفعله لقيام بموجة مفتوحة في مناسبات العدوان وليس فعلا دائما مبرمجا محفّزا؟
رابعا – أما آن الأوان أن نشهد هبة وطنية جامعة مستمرة على شاكلة أطول إضراب في التاريخ عام 1936 بما يناسب هذه المرحلة بحيث يعدّّله إعدادا جيدا في الإعلام الوطني و العربي و العالمي ويكون مؤثرا بحيث يشلّ حركة الحياة للمستوطنين ولإسرائيال ؛ فقد ثبتت فاعلية هذه الهبّات في الأقصى ،وطاقة إسرائيل على المواجهة الجماهيرية الكثيفة لاتتعدّى التصدي لألفي متظاهر .
خامسا – أين الاستنفار للحركات الوطنية و الشعبية في العالم العربي ضمن المتاح عمليا ووفق ظروف كل بلد عربي و في العالم واستنهاض قوى التحرر الوطني فيها وتحريك الجاليات الفلسطينية و العربية بحيث تكون مصدر قلق دائم للصهيونية .
أملنا كبير في أن نبدع من الوسائل ما يمكننا من الوقوف في وجه هذا الطوفان المدمر
و إنا لفاعلون إن شاء الله




